‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

قصة الإقتصاد المصرى


قصة الإقتصاد المصرى

جلال أمين


في استطراد تاريخي يتناول الكتاب مرحلة مهمة من تاريخ مصر الاقتصادي، منذ عهد محمد علي بداية القرن التاسع عشر، ومرورًا بأبنائه، ثم ممارسات الاحتلال الإنجليزي، ثم مرحلة الثورة عبر عهد عبد الناصر والسادات، وانتهاء بعهد مبارك.
الكتاب يقع في مائة وسبعة وستين صفحة من القطع المتوسط، عبر ثلاثة عشر فصلًا مقسمة تاريخيًا وفق ولاية الحكام. إلا أن منظور محاولة مصر تحقيق الاستقلال الاقتصادي هي الفكرة الرئيسة في الكتاب، حيث بدأت من عهد محمد علي، ولكن كانت هذه المحاولات تواجه بمشكلات التمويل، ومحاولات السيطرة الخارجية.

غير أن المؤلف يركز على أن الإرادات كانت مختلفة من حاكم إلى آخر في الاستجابة للضغوط الخارجية أو إشكالية التعايش مع هذه السيطرة، سواء عبر قبولها أو السعي إليها، إلا أن من قبلوا هذه السيطرة وحاولوا التخلص منها كانت حياتهم أو سلطتهم هي الثمن المقابل لذلك.

-الكتاب: قصة الاقتصاد المصري.. من عهد محمد علي إلى عهد مبارك
-المؤلف: د. جلال أمين
-عدد الصفحات: 167
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

التنمية والديون
يركز الكتاب منذ صفحاته الأولى على قضية تمويل التنمية، ومدى النجاح أو الفشل في الاعتماد على مصادر تمويل محلية، أو صنع سياسة اقتصادية تعمل على تفادي الانزلاق في مأزق الديون.

فيصف الكتاب عهد محمد علي بأنه عهد التنمية بلا ديون، وأنه نجح في أن ينفذ العديد من مشروعاته التنموية في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة، بعيدًا عن التمويل الخارجي، واعتماده آلية الاقتراض من الدخل، والسداد من خلال تحقيق وفورات التجارة الخارجية.

كما يذكر الكتاب حجم الضغوط التي مورست على محمد علي من قبل أوروبا لتحجيم تجربته وحصرها في إطار قُطري لا يتجاوز مصر، وأن يدور في فلك الاقتصاد الأوروبي.

ويبين المؤلف أن محمد علي لم يكن منفصلا عن الاقتصاد الغربي بل كان مندمجًا به من حيث حجم تجارته الخارجية الواسعة مع الغرب، أو من خلال استيراده للعدد والآلات اللازمة لتطوير المصانع، أو تطوير الزراعة ومشروعات الري.

ويضم الكتاب إلى مزايا تجربة محمد علي مزية أنه استطاع أن يؤمن الغذاء الكافي للمجتمع المصري ولا يعتمد في ذلك على الخارج، على الرغم من تضاعف عدد سكان مصر في عهده.

غيرأن باقي أولاد محمد علي لم يكونوا على هذه الشاكلة، فاتسم عهدهم -كما يصفه الكتاب- بأنه عهد الديون بلا تنمية. حيث انغلق عباس على نفسه ولم تطل فترة حكمه، ثم ولي الأمر من بعده شقيقه سعيد الذي اتخذ من ولائه للغرب وصداقته لسفراء وقناصل الدول الأوروبية مطية لاستمرار حكمه، وقد تورط سعيد في الديون الغربية سواء من خلال الاقتراض بشكل شخصي من فرنسا أو اقتراض باسم حكومته من قبل مصرف ألماني.

لكن الأمر المهم في حقبة سعيد هو توقيعه على عقد امتياز قناة السويس الذي يذكر الكتاب أن سعيد لم يقرأ هذا العقد، ولم يعرضه على مستشاريه، ثقة في صديقه ديليسبس، وانتهت ولاية سعيد بمقتله وديون على مصر بنحو 18 مليون جنيه إسترليني
ولم يكن عهد إسماعيل بأفضل من سعيد، حيث سيطرت عليه فكرة إعادة بناء المدن المصرية على غرار المدن الأوروبية، إلا أنه تمادى في الاقتراض من الخارج بشكل كبير، حتى وقعت مصر تحت سيطرة الإدارة الأجنبية على مقدراتها المالية.

ونجحت الدول الأوروبية في فرض وصايتها على مصر عبر إنشاء ما سمي بـ "صندوق الدين". وقد وصلت ديون مصر الخارجية التي حصل عليها إسماعيل نحو 53 مليون جنيه إسترليني. وعند محاولة إسماعيل التخلص من الوصاية الأوروبية على إدارة المالية المصرية، سارعت الدول الأوروبية بعزله عبر الدولة العثمانية بصدور قرار من الباب العالي بعزله عن الحكم في مصر.

ويذكر المؤلف نتيجة مهمة وهي أن أبناء محمد علي لم يكونوا على نسق أبيهم في محاولة بناء أسس إنتاجية بالاقتصاد المصري، ولكنهم كانوا مشغولين بالبذخ والإنفاق الترفي وزيادة الضرائب على المواطنين، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية التي تكرس لتبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد الغربي، وبخاصة اقتصاديات إنجلترا.

وهي نفس السياسة الاقتصادية التي اتبعت طوال فترة الاحتلال الإنجليزي (1882 - 1956) إلا أن الإنجليز تعمدوا تفريغ الصناعات المصرية من مضمونها، وركزوا على جعلها مجرد أحد الاقتصاديات الموردة للمواد الخام، أو الأسواق المفتوحة لمنتجاتهم.

ومع دخول إنجلترا الحرب العالمية الأولى والثانية، استطاعت مصر سداد ديونها عبر موادها الأولية المصدرة لإنجلترا. كما شهدت مصر ما عُرف في وقت الاحتلال بمسألة تمصير الدين بجعله مستحقا لمواطنين أو لأجانب مقيمين بمصر بدلا من إنجلترا. ويركز المؤلف على استطاعة مصر سداد ديونها، بل وإدانتها لإنجلترا بنحو 345 مليون جنيه إسترليني مع نهاية الحرب الكونية الثانية.

على الرغم من الإشادة بتجربة عبد الناصر من قبل المؤلف من اتباع السياسات الاقتصادية فإنه يؤخذ عليه اعتماده على المعونات الغذائية الأميركية عشر سنوات

عبد الناصر ومحاولة تنموية
تناول الكتاب فترة حكم عبد الناصر من خلال جهوده في بناء الاقتصاد، وتغير تركيبته الهيكلية من تطوير البنية الأساسية، والتوجه نحو الصناعة، والاستفادة من العلاقات المتعددة مع أميركا والغرب والكتلة الشرقية. ونجاحه في الاستفادة من المعونات الخارجية بشكل كبير.

لكن حجم الإنفاق الكبير الذي تم في عهد عبد الناصر عبر الإنفاق على التنمية وتسليح الجيش، والعمل على زيادة الدخول والاستهلاك لأفراد المجتمع، وكذلك توجهاته القومية والأفريقية لمساعدة الحركات التحررية، وحرب اليمن، جعلت عبد الناصر مضطرًا للجوء للاقتراض من الخارج.

ويرى المؤلف أن إجمالي ديون مصر الخارجية نهاية عهد عبد الناصر لم يتجاوز 1.3 مليار دولار. مع الأخذ في الاعتبار ما قام به عبد الناصر من تمويل لإقامة السد العالي, ويذكر أيضًا ما تعرض له الاقتصاد بعد هزيمة 1967، وانقطاع المعونات الغربية والشرقية بشكل كبير، إلا أن المعونات العربية استطاعت أن تعوض هذه الإمدادات الغربية بشكل كبير عبر مؤتمر الاتفاقية العربية الموقعة بالخرطوم عام 1968.

وعلى الرغم من الإشادة بتجربة عبد الناصر من قبل المؤلف من اتباع السياسات الاقتصادية أو توجهه لتمويل مشروعات التنمية، في إطار نموذج الاعتماد على الذات، فإنه يؤخذ عليه، اعتماده على المعونات الغذائية الأميركية لمدة عشر سنوات، التي استمرت حتى فبراير/شباط 1967، واعتذرت أميركا عن تجديد اتفاقية المعونات الغذائية التي كانت تقدمها نظير تحصيل قيمتها بالجنيه المصري وبسعر فائدة 4%.

التوسع في المديونية
في الوقت الذي يسرد فيه المؤلف تجربة كل من السادات ومبارك في إدارة الاقتصاد، فإنه يرى أوجه شبه شديدة بين إدارة كل من السادات ومبارك وعهدي ابني محمد علي، سعيد وإسماعيل. سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.

ففي عهد السادات كانت هناك إغراءات كثيرة من قبل الدائنين الغربيين للسادات للتوسع في الدين، وكذلك الانفتاح الاقتصادي على الغرب واتباع سياسات اقتصادية متناقضة، بين قطاع عام مكبل، وعدم تجديد بنيته الإنتاجية، وبين اتجاه حركة استيراد غير منضبطة، مما أدى إلى عدم توصيف دقيق للهوية الاقتصادية لمصر فلا هي اشتراكية، ولا هي اقتصاد سوق حر.

ويرى المؤلف أن السادات بعد حرب أكتوبر/تشرين الأوب أتيحت له موارد محلية من خلال قناة السويس أو صادرات البترول أو عوائد العاملين بالخارج، ومع ذلك لم يحسن ترشيدها لتمويل احتياجات الاقتصاد دون اللجوء للاقتراض الخارجي.

ويقدر الدين الخارجي مع وفاة السادات وفق تقديرات المؤلف بنحو 14.3 مليار دولار. إلا أن الكتاب يذكر تدهور العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية بعد توقيع القاهرة اتفاقية السلام مع إسرائيل، مما أدى إلى عودة الكثير من العمالة المصرية بدول الخليج.

ولم يرصد المؤلف تغيرا يُذكر في عهد مبارك من حيث السياسات الاقتصادية أو التوجهات التنموية، فمبارك أيضًا اعتمد نفس السياسة من توسع في الاقتراض من الخارج، وبخاصة بعد مضي السنوات الخمس الأولى من حكمه. وكانت سياسة الاقتراض الخارجي معتمدة في خطط التنمية بعصر مبارك لإيمان القائمين بالتخطيط في عهده بأهمية الاقتراض من الخارج، مما ساعد على تفاقم الدين الخارجي بشكل كبير نهاية الثمانينيات ليصل إلى 47.6 مليار دولار مع بداية عام 1990.

الملاحظة المشتركة بين كافة العهود منذ أبناء محمد علي وحتى مبارك –باستثناء عبد الناصر– أن مصر لم تستفد من الظروف الخارجية لكي تعيد بناء اقتصادها بشكل صحيح.

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012


اقتصاد القرن الـ 21


يحاول هذا الكتاب إنشاء قدر كاف من الوضوح للكثير من حالات عدم اليقين التي تصاحب ثورة المعرفة التكنولوجية، من اقتصادية واجتماعية وتقنية، وتوفير فهم أفضل لما في عالم اليوم من تغيرات اقتصادية كبيرة، وقد أسهم في إعداد الكتاب 18 عالما بارزا يعملون في مختلف الجامعات والمؤسسات العلمية الغربية تركزت مهامهم على تقديم تحليلات للعوامل الفاعلة التي تشكل الأنظمة الاقتصادية، وتخمين الموقع الذي تقود إليه هذه الاتجاهات.
وتقوم فكرة المؤلفين على مقولة إن ثورة المعلومات الحالية تخلق أنظمة جديدة للاقتصاد السياسي، تماما كما خلقت الثورة الصناعية الأنظمة القديمة التي تتحول الآن، فلأول مرة في التاريخ تنظم الشؤون الاقتصادية سعيا وراء المعرفة، كما تدفع هذه القوة الجديدة لإدارة المعرفة باتجاه إعادة بناء البنى الاقتصادية، حيث تتيح زيادات هائلة في الإنتاجية وإزالة العمل الروتيني وتوفير قنوات أكثر للتوزيع وافتتاح أسواق ضخمة جديدة وتسهيل العمليات العالمية في كل المجالات تقريبا.
ويتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء، يستكشف الجزء الأول القوى التي تحرك التغير الاقتصادي، ويبين الجزء الثاني الآثار الاقتصادية الجزئية التي تترتب على بنية وسلوك منشآت الأعمال، في حين يفحص الجزء الثالث أنظمة الاقتصاد السياسي الجديدة – الناشئة.
القوى التي تشكل النظام الاقتصادي الجديد
يتكون هذا الجزء من خمس دراسات، التحولات: قوى التغير الرأسمالي، لأرنست ستيرنبيرج من جامعة نيويورك، ويقدم بيتر ديكن من جامعة مانشستر بإنجلترا دراسة بعنوان العولمة: منظور اقتصادي – جغرافي، ويعرض وليام هلال من جامعة واشنطن أفكارا حول السيطرة على الطاقة الهائلة للمعرفة، ويقد آلان ج. سكوت من جامعة كاليفورنيا المحركات الإقليمية للاقتصاد العالمي، ويقدم أميتي إتزيوني من جامعة جورج واشنطن دراسة بعنوان البساطة الإرادية: هل هي حركة اجتماعية جديدة؟
يقول وليم هلال إن العالم استخدم في عام 1997 مليار جهاز حاسوب شخصي، طاقة كل واحد منها تزيد على طاقة الأجهزة التي كانت سابقا تحتل غرفا كاملة، وتكلف ملايين الدولارات، ويتطلب تشغيلها فرقا كاملة من العاملين، .. إن التغيرات الكبرى حقا لم تأت بعد.وتعبر الدراسات الخمس عن فكرة أن الاستعمال الإلكتروني لتكنولوجيا المعلومات، وانتقال الأسواق الحرة على النطاق العالمي، والتعطش الواعي للتحديث، وقوى العولمة المؤثرة الأخرى تقوم كلها بخلق أحد أكثر الاتجاهات إثارة في عصرنا، توحيد العالم المتنوع في كل متماسك، وإذ يتحرك رأس المال والمعلومات والتكنولوجيا والأفراد عبر الحدود، فإن هذه العملية التوحيدية تقوم الآن بدمج أوروبا الغربية والشرقية في مجتمع اقتصادي واحد، وإزالة الحواجز الاقتصادية بين بلدان القارة الأمريكية وتكوين المحيط الهادئ الديناميكي، وعاجلا أم آجلا، قد تدمج القوى نفسها التكتلات الاقتصادية بعضها ببعض لخلق تجارة مفتوحة بين معظم الدول وأسواق نامية ضخمة جديدة، وشكل ما للحكم العالمي.
ويعتبر وليام هلام أن هذه الاتجاهات تثير أسئلة حاسمة عن طبيعة الحياة الاقتصادية في المستقبل، وعن الأشياء المتشابهة التي يمكن استخلاصها من الثورة الصناعية لرسم خطوط ثورة المعرفة، وفي أي طريق ينبغي للنظام العالمي الجديد أن يكون مجرد توسع للأنماط الاقتصادية والسياسية السابقة، وفي أي طريق يختلف عنها؟ وما أهمية هذا الرافد العميق في التاريخ؟
لقد كثرت أفكار التغير الراديكالي منذ نصف قرن، وانتشرت بسرعة، وبقدر ما وهن الإيمان بالتقدم، كما يبدو، وقد أبرزت نفسها ليس فقط عصور ما بعد الصناعة، وما بعد الحداثة، ولكن أيضا العصر الذري، وعصر الحاسوب، وعصر الفضاء، وعصر الجينات، وفي سياق ملاحظة أبعاد التغيير الجارية في مختلف الاتجاهات في غالب الأحيان تكون متناقضة، يصف أرنست ستيرنبرج التحولات التجارية، ويعرف الإمكانات الاقتصادية المتعددة في القرن الـ 21، ويجد ستيرنبيرج أن الرأسمالية عملية ديناميكية وتطورية، لم تعمل على توجيه التغير الاقتصادي وحسب، بل عملت وبدرجة متزايدة على توجيه الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والشخصية للمجتمع، وهو يدعو إلى طرح علم اقتصاد جديد تفسيري يمكننا من التأثير على التحديات والفرص الاقتصادية المتعددة.
ويلاحظ بيتير ديكن التأثيرات الثورية لتكنولوجيا الاتصالات، ولكنه يتابع ذلك لتفسير كيف أن القوى والقيود الأخرى أسهمت في تشكيل بنية الاقتصاد العالمي الناشئ، ويشير ديكن إلى أن قوى الحكومات الوطنية والشركات متعددة الجنسية والتكنولويجا قد جعلت من المسافات والمواقع الجغرافية أمرا أساسيا لفهم الاقتصاد العالمي في القرن الـ 21، لقد خفضت الثورة التكنولوجية الناشئة من تتابع الابتكارات الجزئية وتكاليف المعاملات إلى مستويات تتيح عمل أي شيء في أي مكان ومن ثم بيعه في أي مكان من العالم.
وأشار الاقتصادي الناقد كارل بولانيي في ذروة الحرب العالمية الثانية إلى أن الكساد والحرب العالمية ميزتا نهاية رأسمالية القرن الـ 19، وعالما اقتصاديا هيمنت فيه على المجتمع الغربي سياسة عدم التدخل الحكومي القائمة، وفي الرأسمالية المتحولة مجددا التي أخذت مكانها، توصل المجتمع إلى أساليب لحماية نفسه من فوائض السوق، وحاولت سياسة التوجيه الحكومي، والسياسة العامة، والنقابات حماية الجمهور والبيئة والعمال، وهدفت السياسة الاقتصادية الكلية والسياسة التجارية إلى حماية الاقتصاد نفسه، بينما سعت الاتحادات الاحتكارية والشركات القابضة لحماية منشآت الأعمال من أهواء المنافسة المتواصلة.
وبقدر ما ساعدنا مجتمع القرن الـ 20 الصناعي على توسيع شخصياتنا لتتجاوز أبعادا معنية، كالطبقة والجنسية ومكان العمل، ومن ثم ولاءات جديدة، فقد فرضت التغيرات في المجتمع الصناعي تهديدات أكبر على العشائر والأعراق والأديان، وأدت إلى عصر أعدنا فيه اكتشاف تمسكنا بمعتقدات أصولية، ولذلك فإن العصور الرأسمالية الجديدة لا تظهر فقط من خلال التقنيات الجديدة، ولا بوصفها اتجاهات إضافية فقط، ولا باعتبارها تغيرات بنيوية تحدث بعيدا عن إدراك الممثلين البشريين فحسب، بل على العكس فهي حقا الآثار للتحولات، فالتحول الرأسمالي يغير الممثلين (أفراد ومنظمات ومؤسسات) الذين يشاركون فيه.
ويستنتج هلال مجموعة واسعة من الأدلة والآراء لتحديد أسس اقتصاديات المعرفة مركزا على الدور التغييري الذي تقوم به المنشأة العالمية، ويستنتج هلال أن القواعد الفريدة للمعرفة تقود ثلاثة اتجاهات كبرى هي بمثابة ثورات، بفضل دورها هي ذاتها وسط قطاع الأعمال والمؤسسات الأخرى: التحول من السيطرة إلى الحرية، ومن الخلاف إلى الوفاق، ومن المادية إلى المعرفة والروح، وهو يوحي أيضا بأن هذه القوى قد تحدث انقلابا في الفكر الاقتصادي.
النماذج الناشئة للمنشأة
يستعرض هذا الجزء عبر خمس دراسات التصورات الجديدة الناشئة في حقل إدارة الأعمال وباقي المؤسسات الاقتصادية، فقد أبطلت تكنولوجيا المعلومات، والمنافسة العالمية، المطالبات المتعلقة بالبيئة، ونشوء فئة من المستخدمين والمستهلكين أكثر تعلما لهرمية التقليدية لقطاع الأعمال، فالشركات تعيد تصميم أجهزتها البيروقراطية القديمة للأعمال، وتحولها إلى أنظمة أكثر كفاءة لتسليم السلع والخدمات، وتقلل من مركزية العمليات باتجاه خلق وحدات شبه مستقلة، وتعيد تعريف علاقاتها مع مختلف الأطراف، وتخلق هذه التغيرات مزيجا من التنافس والتعاون.
ويقدم ستين أ. ثور من المعهد العالي للتكنولوجيا في لشبونة مخططا لنموذج جديد يتابع آثار التحول السريع لاقتصاد السوق في عصر المعلومات، ويستند هذا النموذج إلى أربعة مبادئ:
1- تكون دورات حياة منتجات المعرفة قصيرة بسبب شدة تطور المنتجات.
2- تحقق المنشآت التي تبيع بنجاح المنتجات الأكثر تطورا معدلات نمو مثيرة، يمكن تسميتها بالنمو المفرط، وفي الوقت نفسه فإن الشركات التي تتصف ببطء إنتاجها يمكن أن تواجه انهيار أسواقها بين ليلة وضحاها.
3- تمضي الشركات ذات التقنية العالية عادة على مسار ديناميكي بعيدا عن التوازن طوال الوقت، والمسار هذا غير خطي، ويتضمن إمكانية حصول فوضى.
4- وفي الإطار الناشئ للاضطراب الصناعي سينبثق تطور تقني سريع، يحقق نوعا من التوازن بين أشياء وهجران أشياء أخرى، وبين تصريف المنتجات الجديدة وانطلاق الشركات المبتدئة الجديدة، وعمليات الدمج والإفلاس.
ويتوقع الباحثون أن المنشآت الخلوية ستحقق من المعرفة الفنية يتجاوز مستوى الأشكال التنظيمية السابقة، وذلك بجمع طاقات المنظمين، والتنظيم الذاتي، والملكية المشتركة للأعضاء، ويلاحظون أنه عبر الاقتصاديات الوطنية والإقليمية فإن العصور المتداخلة من النمطية، والتعديل، والابتكار، ستستمر بالتطور، وستحدث تغييرات جديدة في الأشكال التنظيمية والهرمية والشبكات والخلوية. ويلاحظ راسل ل.أكوف، أحد عمداء الفكر الإداري الحديث أن الدراسات حول المنشآت أظهرت أن ثلثي الإدارة النوعية الكاملة كانت مخيبة، وتبين دراسات أخرى أن معظم جهود سياسية تخفيض الحجم تؤدي إلى زيادة التكاليف.ويحتل اقتصاد نشاط الأعمال النظيف بيئيا (الاقتصاد الأخضر) اهتماما متزايدا، ويشير تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية إلى أنه لا بد من تعزيز الإجراءات اللازمة للحد من التلوث الصناعي، والسيطرة عليه، والوقاية منه، وإذا لم يتحقق ذلك، فإن خطر التلوث على صحة الإنسان قد يتعذر تحمله في مدن معينة، ويتزايد تهديد الرفاهية، وإذا أريد للتنمية المستدامة أن تكون مستديمة على المدى الطويل، فلا بد من تغيير جذري في نوعية تلك التنمية.ويمكن للشركات التي تستعمل نظام الإدارة البيئية والحسابية لتحقيق النشاط الاقتصادي النظيف أن توفر المال وتكسب الميزة التنافسية من وراء ذلك، ولكن ما زالت طرق الإنتاج النظيف بطيئة، وهناك اتفاق على ضرورة وجود تشريعات تضمن تحسين النوعية البيئية، ويمكن للصياغة الجيدة للسياسة الاقتصادية والبيئية على حد سواء جعل التنمية المستدامة أمرا بسيطا ومجديا.
بين مبدأ عدم التدخل الحكومي والسياسة الصناعية
رغم انتصار الرأسمالية وانهيار الشيوعية الاشتراكية فهناك ارتباك هائل تحت سطح هذا الاعتقاد العام، فثمة اقتصاديون كثيرون يعتقدون أن الأسواق وليست الرأسمالية هي التي تنتشر في المعمورة، وأن هذين المفهومين لا يعنيان الشيء نفسه على الدوام نظرا إلى أن أنظمة السوق تختلف إلى حد بعيد.
ومما يزيد من الحيرة والارتباك هو أن الغرب الرأسمالي يواجه أزمة اقتصادية كبرى في وقت يسود فيه الاعتقاد بأن الرأسمالية قد انتصرت، وتقوم أوروبا والولايات المتحدة الآن بالحد من توجيهها وإشرافها على الأسواق وسحب أعانا الرفاهية الاجتماعية السابقة، وذلك لإنعاش المؤسسات الاقتصادية، ولكن ظهور الأسواق التنافسية المتوحشة، وفقدان الدعم العام يمكن أن يثير اضطرابات سياسية حادة.
ويعتقد جيمس أنجريسانو من كلية ألبرستون في إدابو أن الميراث العالمي من الفكر الاقتصادي يمكن أن يفيدنا كدليل نحو تطوير منظور اقتصادي جديد، ويحدد نقطة البداية الصحافية في فلاسفة الاقتصاد البارزين: جونار ميردا، وجوزيف شومبيتر، وفريدريك هايك، ويمكن برأيه لدراسة واستجلاء الجوانب الرئيسة في فكر هؤلاء العلماء للواقع وانتقاداتهم للاقتصاد الكلاسيكي الجديد وطرق تحليلهم واستنتاجاتهم أن تخدم كأساس متين نبدأ منه ببناء نموذج اقتصادي جديد.
ويذهب روبرت ج. ماك أنتير من جامعة الأمم المتحدة في هلسنكي إلى أنه رغم أن صناع القرار والخبراء في مختلف أنحاء العالم كانوا يتحاورون فيما بينهم كخبراء كلاسيك جدد، فإن الكيان النظري الذي حملوه ليس هو المسؤول عن الدمار الذي تسببوا به، بل برنامجهم السياسي المرافق الخفي والمتأثر بالنظرية الكلاسيكية الجديدة، هذه الأشياء الأيديولوجية في رأي أنتير والمرافقة للتفكير الكلاسيكي الجديد كان لها أثرها بالفعل في منع تطبيق منطق السوق على تلك الأوضاع، وإعاقة المناقشة الواضحة حول ما كان يتخذ، ولماذا، وباسم من؟
ويؤمن ألتير أن المنظور الكلاسيكي الجديد فشل في التفكير الواضح بشأن آليات الاختيار في المدى القصير وتباعد مميزات البقاء في المدى القصير عنها في المدى البعيد في ظل الظروف المحددة لعملية التحول، وبذلك فإن سيطرة هذه المدرسة الفكرية قد رعت التكتم المأساوي تقريبا للحكومات في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق التي ركزت انتباهها على خلق الجوانب السطحية من الحداثة السوقية مع عدم الاهتمام الجدي تقريبا بمتطلبات النجاح في ظل الظروف القائمة بالفعل في سوق الرأسمالية العالمية المعاصرة.
تجميع الفكر الاقتصادي التقدمي
تضع خاتمة الدراسات كما يصوغها وليام هلال وكينيث ب. تايلر كل فصول الكتاب في ملخص متماسك للأنظمة الاقتصادية التي يحتمل أن تتطور في أوائل القرن الـ 21، ويعتقدان أنه رغم وجود التحديات الكثيرة فإن الأدلة تشير إلى أن ثورة المعرفة تدفع الدول في كلا الاتجاهين خالقة إمكانية تصميم اقتصاديات نابضة بالحياة وأكثر إنتاجية لأنها بالذات تشجع العمل الحر المنسجم اجتماعيا.
وتنتهي هذه الدراسة التحليلية إلى خمسة استنتاجات رئيسة:
1- يحتمل أن تتكامل اقصاديات القرن الـ 21 من خلال شبكات المعلومات الرفيعة، وتتحول إلى اقتصاد عالمي موحد من نوع ما.
2- يمكن أن تشهد اقتصاديات القرن الـ 21 المزيد من سياسية الحد من التوجيه أو التدخل الحكومي وإلى درجة تقترب فيها أنظمة الأسواق من حالة المنافسة الكاملة.
3- إن هدم البناء الناجم عن الانتقال إلى اقتصاد عالمي يقوم على المعرفة سيستمر بخلق الفوضى الاجتماعية إلى أن يتم تعريف أيديولوجيات جديدة للنظام الاقتصادي في القرن الـ 21.
4- قد تتشكل المنشآت في القرن الـ 21 كأنظمة مشروع داخلي، وذلك لإدارة التعقد، كما أنها ستوحد أيضا مختلف الأطراف المعنية في تحالفات رفيعة، وتزيد من القيمة الاقتصادية.
5- على المدى الأطول (10 – 50 سنة) قد تطور اقتصاديات القرن الـ 21 أسسا أيديولوجية جديدة، تجسد درجات متغيرة من سلوك السوق الحرة والتماسك الاجتماعي معا ضمن سياق غرض وقيم ومعنى أرفع على الجانب الآخر من الألفية الجديدة.
وفي الواقع يذهب هلال إلى أن هذا التطور من شأنه أن يعني أن الناس ربما لن يفكروا باقتصاديات السوق الحركة كـ ''رأسمالية'' رغم أن هذه الاقتصاديات قد تكون حرة أكثر وتنظيمية أكثر، ومع انتقال العنصر المهم للإنتاج من رأس المال إلى المعرفة، فإن الأنظمة الاقتصادية على الجانب الآخر من الألفية يمكن أن يتم التفكير بها على نحو أفضل باستعمال مصطلحات مثل ''المشروع الديمقراطي'' أو ''المشروع الإنساني''. وإذا كانت ثورة المعلومات ثورة اقتصادية حقيقية بالفعل، حيث يمكن مقارنة أهميتها بالثورة الصناعية، فمن المعقول كما يبدو أن نستنتج بأن المحصلة ستكون ظهور مجتمع مختلف على نحو مثير، وتوحي الأدلة التي تجمعت هنا بأن النظام الاقتصادي في القرن الـ 21 سيؤلف قوة الأسواق الحرة والمجتمع ويحولها إلى فلسفة مفهومة على نطاق واسع لعلم الاقتصاد.
الحركة العامة للإقتصاد المصرى فى نصف قرن
بين التبعية وإقتصاد تجارة الشنطة

محمد دويدار


يدين د. محمد دويدار أستاذ الاقتصاد السياسي بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية سياسة الانفتاح الاقتصادي وفق اعتبار مبدئي وهو أنه تم التعامل معها حتي الآن علي أنها "شعار مقدس لا مساس به". ويتتبع في كتابه عن إصدارات سطور الجديدة حركة اقتصاد الدولة المصرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عبر مرحلتين بلورهما الاقتصاد الدولي المعاصر رغم الأزمة العامة التي اقترنت به لكونه "اقتصاد حروب" تحكمه قواعد "السوق العشوائي". لهذا كانت خطوة الانفتاح بمثابة محاولة للخروج من أزمة اقتصادية مصرية إلي الاندماج في أزمة اقتصادية دولية.


"الحركة العامة للاقتصاد المصري في نصف قرن.. رؤية استراتيجية بين التبعية واقتصاد تجارة الشنطة" ليس كتابا في الاقتصاد فقط، بل هو كما يوضح تخصص مؤلفه، يتعمق في أبعاد تدخل السياسة في اقتصاديات الدول، المتقدمة والمتخلفة، محللا فعلها الفاضح في فقد العذرية الاقتصادية لدول المستعمرات، وتعميم قانون قوة رأس المال بلا أخلاق. ففي المرحلة الأولي - الخمسينات والستينات - من مسار الاقتصاد المصري تتفكك دولة الملكية العقارية الكبيرة لصالح الإصلاح الزراعي لكنه يتبدد شيئا فشيئا. وفي المرحلة الثانية - من السبعينيات إلي اليوم - يتأكد التكريس للتخلف الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وتبدأ التصفية البطيئة للقوي الإنتاجية للمجتمع المصري، عبر الخصخصة التي يعجلها تفاقم أزمة المديونية الخارجية للاقتصاد المصري خلال التسعينيات.



ولأن المؤلف اختار رصد مراحل حركة الاقتصاد المصري بواسطة حركة الاقتصاد الدولي، فمن الطبيعي أن تؤثر العوامل التي شكلت ملامح الاقتصاد العالمي في مسار الاقتصاد المصري. أو بمعني أدق يحلل الأساليب التي تعامل بها رأس المال الأجنبي مع رؤوس الأموال الوطنية، بدءا بسياسة "الاستقطاب المتزايد" ومحاولات "السيطرة العسكرية"، وانتهاء بسيادة الطبيعة الرأسمالية الاحتكارية علي نظم الملكية أو أنماط توزيع الدخل بين الطبقات الاجتماعية في المستعمرات، التي تم التعامل معها بوصفها "هياكل إنتاجية".



عسكرة الاقتصاد

علي غلاف الكتاب أيقونات دلالية لسيطرة رأس المال الدولي: شارة كود السلعة يتدلي منها حبل المشنقة، زجاجة مشروب غازي معروف تحشر في فوهتها البشر، وأخيرا عجوز فقير وطفل بائس يقبعان أعلي بعيدا لا يلتفت إليهما أحد. يحدثنا د. دويدار عن "السلوك العداوني لرأس المال الغربي" أو "عسكرة العلاقات الاقتصادية"، و"الجبروت الاقتصادي والسياسي والعسكري" كأوصاف عامة لنمط سلوك رأس المال الغربي الدولي تجاه المنطقة العربية ككل ومنها مصر. ومن هنا يتجول الكتاب في رحلة رأس المال الدولي وهو "يقيم لنفسه عالما ماليا" ويصبح ركيزة "للسطوة الاقتصادية" ومجلبًا للجاه الاجتماعي والسلطة السياسية، ووسيلة لنهب ثروات المجتمعات المستعمرة اقتصاديا وثقافيا وحضاريا، إلي حد تحويل أراضيها إلي "سلعة".



"السياسة هي الاقتصاد المركز"، وفق هذا المنطق تحددت كما يشرح الكتاب طبيعة العلاقات داخل منظومة الاقتصاد المصري بتأثير رأس المال الدولي المهيمن. وهو ما فرض الانصياع لما يطلق عليه "آلية قوي السوق"، التي بدورها تفرض العمل علي الإنتاج في جو مغلف بعدم اليقين والمخاطر، والابتعاد عن إشباع الحاجات لصالح هدف آخر هو "تعظيم الربح" أو بالتعبير الاقتصادي المعروف "تراكم رأس المال". ومن الطبيعي أن تجلب التوسعية الشيطانية لرأس المال أزمات و"نزوات" وتناقضات متعلقة بعمليات التضخم والتغلغل والاحتكار والمضاربة وحتي الركود.



حروب رءوس الأموال

الحقيقة التي يفندها المؤلف هي أن رأس المال يسود كعلاقة اجتماعية، مثلما يسود كحروب عالمية وصراعات مسلحة من أجل السيطرة علي السوق الدولية ومواطن استثمار رأس المال. ومن هنا يبدأ تنقسم مواقف رأس المال المحلي أو الوطني ما بين مقاوم للعدو، وآخر مهادن ومتحالف ومرتمٍ في أحضان المحتل الذي مارس عليه كل سياسات الاستقطاب والتطويع المشروعة وغير المشروعة.



ومن المعروف أن سياسات الاستقطاب الاقتصادي مورست بوجهين: أحدهما سياسي عبر تغيير المواقف من القضايا الوطنية والتحرر، والثاني اقتصادي متمثل في تحويل العالم إلي "سوق واحدة". وهذا هو الهدف الأعظم الذي يبيع من أجله النظام الرأسمالي الدولي كل غال ونفيس. ومع تحقق هذا الهدف كما يؤكد المؤلف تفقد المجتمعات المحتلة حتي بعد استقلالها قدرتها في السيطرة علي شروط الإنتاج داخلها وخارجها، وتتفكك أنظمتها السياسية الهشة أمام "غول" الرأسمالية والشركات دولية النشاط ومجموعاتها المالية العملاقة، التي يعتبرها المؤلف أشد أشكال رأس المال الدولي احتكارية.



الانفتاح مرادف للتفريط

مبدئيا، يري المؤلف أن حاضر المجتمع المصري متخلف اقتصاديا واجتماعيا، وذلك منذ النصف الثاني من القرن الماضي. بسبب عدة عوامل من بينها التركيب الطبقي للمجتمع المصري، وتفاوت الشرائح المجتمعية فيه "مجتمع تتباعد فيه المسافات بين الطبقات الاجتماعية"، وتذبذب وضع الطبقة المتوسطة "مجتمع حافل بالتناقضات الاجتماعية الصارخة"، إلي جانب مشكلة الفقر.



ورغم قدم الاقتصاد المصري في قدرته علي خلق فائض اقتصادي، إلا أن التاريخ يشهد سوء استخدامه واستهلاكه، وذلك عبر عدة ممارسات فاسدة من بينها التخصص في منتجات تلبي احتياجات الاقتصاد المتبوع، فقد تم في فترة سبعينيات القرن الماضي التحول من إنتاج المواد الغذائية كالأرز والقمح إلي إنتاج القطن وتصديره. إلي جانب تخلي رأس المال المحلي عن الدور الإنتاجي والاكتفاء بدور الوساطة التجارية بين ما ينتج في الخارج وما يستهلك في الداخل. وكان لسياسة الانفتاح الاقتصادي دور كبير في التفريط بالحقوق الاقتصادية، فقد وصل الأمر حد الهزل باستيراد فوانيس رمضان! لكن المشكلة الحقيقية لمرحلة الانفتاح الاقتصادي كما يراها المؤلف، هي اقترانها بتخبط السياسة الاقتصادية لمصر في تلك الفترة، وتناقض المصالح بين المسئولين عن قطاع الدولة الاقتصادي والعاملين في وحدات القطاع. ومثل هذه الأوضاع دفعت بمسألة تصدير الغاز إلي إسرائيل، التي يقدمها الكتاب باعتبارها تعني "تمييز العدو اقتصاديا"، ونتيجة طبيعية لانسحاب الدولة من الحياة الاقتصادية في تلك الفترة، وارتمائها في أحضان المنظمات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.



"المناطق الحرة".. الليبرالية المتوحشة وأنياب الديمقراطية من وجهة نظر د. دويدار، تبدت الإجراءات الإصلاحية الخاصة بالإنتاج الزراعي خلال فترة الخمسينيات بسبب اختفاء طبقة كبار ملاك الأراضي وظهور طبقة متوسطي الملاك من أغنياء الفلاحين، وتحول هؤلاء إلي "الزراعة الرأسمالية". والأخيرة تسخر العامل الأجير من صغار الفلاحين والعمال الزراعيين بلا أرض (أبرزهم عمال التراحيل)، وتتخصص في إنتاج محصولات زراعية غير تلك التقليدية. ثم تأتي الستينيات ليضرب الاقتصاد المصري بواسطة الاقتصاد الدولي المهيمن في ١٩٦٧، وتبرز أزمة البناء الاقتصادي كأزمة مجتمع. وبعد العدوان ظهرت الحاجة إلي إزالة آثار العدوان، وكان ذلك عن طريق تخفيف القيود علي حركة رأس المال الغربي بواسطة سياسة "الانفتاح الاقتصادي".



وقد جسدت تلك السياسة من وجهة نظر المؤلف معني "الليبرالية الاقتصادية المتوحشة" أو "الديمقراطية ذات الأنياب". فقد أدي الانفتاح إلي مهادنة القوي الاستعمارية ومؤاخاتها وبلورة الظاهرة الاستعمارية في المنطقة، فضلا عن "الاتجاه الضبابي المتردد والمتردي" الذي خلفه الانفتاح فيما يخص إدارة الاقتصاد المصري، وتفكيكه للقطاع الاقتصادي المملوك للدولة.



أما أبرز ملامح الاقتصاد المصري فترة السبعينيات: فتح باب هجرة العمالة المصرية علي مصراعيه، "تسليم الرقبة" لشركات توظيف الأموال، تقديم سك الشرعية لرجال الأعمال "المتعثرين" في مصر "المنتعشين" في جنات أسواق الدول الرأسمالية المتقدمة، وأخيرا تمييز رأس المال الأجنبي المستثمر في الداخل بقوانين خاصة استثنائية، حتي أصبح وفق تعبير المؤلف أشبه بـ"الخلاء" داخل "المناطق الحرة".