الاثنين، 20 أغسطس 2012

المليارديرات يضاربون على سبائك الذهب.. والأسعار ترتفع

من بينهم جورج سوروس وجون بولسون







يعتبر تجار الذهب الأكثر مضاربة على ارتفاع سعر الذهب خلال ستة أسابيع، مع زيادة المستثمرين حجم ممتلكاتهم من سبائك الذهب إلى رقم قياسي خوفا من تباطؤ النمو الاقتصادي وبعد أن قام المليارديران جون بولسون وجورج سوروس بشراء المزيد من الذهب.ويتوقع 14 من بين 26 محللا استطلعت آراؤهم من قبل وكالة «بلومبرغ» ارتفاع الأسعار الأسبوع المقبل، فيما توقع ستة منهم هبوط الأسعار. أما ستة آخرون، فقد كانوا محايدين، بجعل نسبة المضاربات على ارتفاع الأسعار الأعلى منذ 6 يوليو (تموز). وقام بولسون بزيادة حصته في «إس بي دي آر غولد تراست»، أكبر منتج متداول في البورصة مدعوم بالذهب، بنسبة 26 في المائة في الربع الثاني، وقام سوروس بزيادة حجم ممتلكاته من الذهب إلى أكثر من الضعف، حسب ما كشفت سجلات هيئة الأوراق المالية والبورصة في 14 أغسطس (آب) الحالي.
وسجل حجم الممتلكات من الذهب رقما قياسيا يوم 10 أغسطس الحالي، حسب ما أظهرت بيانات جمعتها وكالة «بلومبرغ». لقد انكمشت منطقة اليورو في الربع الثاني بعد أن أدى تفاقم أزمة الدين إلى دخول ست دول على الأقل في حالة من الركود، مثلما كشفت بيانات الاتحاد الأوروبي الصادرة يوم 14 أغسطس. وزادت مشتريات السبائك والعملات المعدنية الذهبية بنسبة 15 في المائة في أوروبا في تلك الفترة، حسب ما أفاد مجلس الذهب العالمي أمس. لقد تباطأ النمو في الولايات المتحدة خلال فترة ثلاثة أشهر حتى يونيو (حزيران) الماضي، وربما يمتد تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين إلى الربع السابع بعد توقف نمو الصادرات في يوليو (تموز) الماضي، كما خيب الإنتاج الصناعي والإقراض توقعات الاقتصاديين.
وقال تورستن بوليت، كبير الاقتصاديين في «ديغوسا غولدهاندل جي إم بي إتش»، شركة تداول المعادن النفيسة والاستثمار الكائنة في فرانكفورت: «ربما تلعب الشؤون النقدية في العالم أهم دور في ارتفاع أسعار الذهب». وأضاف: «سوف يدفع الاقتصاد المتباطئ إلى دعوات لتخفيف قيود السياسة النقدية. ويضيف هذا دعما إضافيا للذهب».
وأدت المضاربات إلى ارتفاع المعدن النفيس؛ حيث ارتفع سعر الذهب بنسبة 3.3 في المائة ليصل إلى 1.618 دولار للأوقية في بورصة السلع في نيويورك هذا العام، محققا 11% ربحا سنويا متتاليا. ويأتي هذا مقارنة بربح نسبته 3.5 في المائة في مؤشر «جي إس سي آي» الذي تصدره «ستاندارد آند بورز» لأربع وعشرين سلعة، وزيادة نسبتها 8.6 في المائة في مؤشر «مورغان ستانلي لجميع دول العالم» للأسهم. وحققت سندات الخزانة عائدا نسبته 1.1 في المائة، حسب ما أظهر مؤشر «بنك أوف أميركا».
وتشير الإحصاءات الأميركية إلى ارتفاع ملحوظ في الطلب على السبائك والعملات الذهبية الأوروبية إلى 77.6 طن متري في الربع الأخير، ويجب أن يزداد الطلب على المجوهرات في آسيا خلال النصف الثاني نتيجة ارتباط هذا الموسم بمشتريات الزواج والمهرجانات، حسب ما ذكر «مجلس الذهب» الذي يتخذ من لندن مقرا لها.
واشترى مستثمرون ذهبا تقدر قيمته بنحو 1.1 مليار دولار من خلال منتجات يتم تداولها في البورصة هذا الشهر وامتلكوا رقما قياسيا من الذهب قيمته 2.417.3 طن في 10 أغسطس، حسب ما أظهرت البيانات.
وزادت شركة «بولسون آند كو»، التي تملك أكبر حصة في ««إس بي دي آر غولد تراست»، ممتلكاتها إلى 21.8 مليون سهم خلال فترة ثلاثة أشهر حتى يونيو الماضي.
هذا، وقد كانت أكثر من 44 في المائة من الأسهم الأميركية المتداولة لشركة صناديق التحوط التي تبلغ قيمة ممتلكاتها 21 مليار دولار والكائنة في نيويورك، مرتبطة بسبائك، أو 16 في المائة باستثناء منتج «إس بي دي آر غولد تراست»، حسب ما أظهر السجل. ويوظف بولسون حصته في هذا المنتج لدعم الأسهم المقومة بالذهب. كما رفع «سوروس فاند ماندجمنت إل إل سي» قيمة حصته إلى 884.400 سهم. وقد رفض متحدث باسم كلا المستثمرين التعليق في بداية هذا الأسبوع.
ويتخوف كبار المستثمرون من خطوات تحفيز جديدة يجريها مجلس الاحتياط الفيدرالي بسبب تباطؤ النمو. وقد أفادت وسائل الإعلام الرسمية الصينية يوم 15 أغسطس الحالي أن رئيس الوزراء وين جياباو ارتأى مساحة لتعديل السياسة النقدية، كما وعد رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، الشهر الماضي باتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على اليورو وتعهد مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم 1 أغسطس بتخفيف القيود المفروضة على السياسة النقدية عند اللزوم. وربما يتحدث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بين بيرنانكي، عن الخيارات النقدية في مؤتمر يعقد في جاكسون هول في وايومنغ نهاية هذا الشهر.
لقد عكست صناديق التحوط وغيرها من أنواع صناديق الاستثمار الأخرى الهبوط في الأسعار الذي تبلغ نسبته 9.5 في المائة منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، مما أطاح بالمراهنات على ارتفاع الأسعار بنسبة 57 في المائة خلال تلك الفترة، حسب ما أظهرت بيانات لجنة تداول العقود المستقبلية للسلع. وقد هبط صافي المركز الطويل بنسبة 11 في المائة في الأسبوع الذي انتهي في 7 أغسطس ويعتبر قريبا من أدنى مستوياته منذ عام 2008.
وثمة إشارات دالة على تراجع الطلب، مع هبوط مبيعات عملات «النسر الأميركي» الذهبية من قبل دار سك العملة الأميركية بنسبة 49 في المائة لتصل إلى 30.500 أوقية الشهر الماضي، وهي أدنى قيمة لها منذ أبريل (نيسان) الماضي. باعت دار السك 9 آلاف أوقية حتى الآن في أغسطس، بحسب البيانات المنشورة على موقعها الإلكتروني.
هبط حجم استيراد الذهب في الهند، أكبر مشتر للذهب في العالم خلال العام الماضي، بنسبة 56 في المائة عن عام سابق، ليصل إلى 131 طنا في الربع الثاني، حسب ما أفاد «مجلس الذهب». وقد أثار انخفاض مستوى الأمطار الموسمية عن المعدل المعتاد هذا العام مخاوف بشأن الطلب على المجوهرات في الريف، بالنظر إلى اعتماد الناس على الزراعة والتأثير المحتمل للمحصول السيئ على مستويات الدخل، بحسب «مجلس الذهب». وقد سجلت الأسعار المحلية رقما قياسيا في يونيو الماضي، حسب ما كشفت بيانات جمعتها وكالة «بلومبرغ».
سيكون متوسط سعر الذهب المقدر بـ1.642 دولار للأوقية حتى الآن هذا العام هو الأكبر على الإطلاق، إذا ما ظل ثابتا على ذلك حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، حتى بعد هبوط الأسعار بنسبة 16 في المائة عن الرقم القياسي الذي سجلته في سبتمبر (أيلول) الماضي. ويأتي جانب من الطلب من البنوك المركزية، ويتوقع «مجلس الذهب» احتمال أن تضيف ما يقرب من 500 طن لاحتياطي هذا العام.
وبالنسبة لسلع أخرى، يتوقع عشرة من بين ستة وعشرين متداولا ومحللا استطلعت وكالة «بلومبرغ» آراءهم، هبوط سعر الذهب الأسبوع المقبل، فيما توقع ثمانية أن يشهد ارتفاعا. وقد هبط سعر الذهب المتاح للتسليم في ثلاثة أشهر، بحسب العقد القياسي في بورصة لندن للمعادن، بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 7.531 دولار للطن هذا العام.
وتوقع ستة من بين كل اثني عشر شخصا استطلعت آراؤهم أن سعر السكر الخام سيهبط الأسبوع المقبل، فيما توقع أربعة آخرون ارتفاع سعره. انخفض سعر السكر الخام بنسبة 13 في المائة ليصل إلى 20.38 سنت للرطل منذ بداية يناير في بورصة العقود الآجلة الأميركية في نيويورك.
ويتوقع ثلاثة عشر من بين 27 شخصا استطلعت آراؤهم ارتفاع أسعار الذرة الأسبوع المقبل، فيما توقع 10 أفراد انخفاضها، بينما توقع خمسة عشر من بين ثمانية وعشرين شخصا ارتفاع أسعار فول الصويا، في الوقت الذي تنبأ فيه عشرة أفراد بهبوطها. ارتفع سعر الذرة بنسبة 25 في المائة ليصل إلى 8.1075 دولار للمكيال في شيكاغو هذا العام وسجل رقما قياسيا بلغ 8.49 دولار في 10 أغسطس، نتيجة تسبب أسوأ جفاف يحدث في الولايات المتحدة خلال نصف قرن في إتلاف المحاصيل. سجل محصول فول الصويا أعلى ارتفاع له على الإطلاق في يوم 23 يوليو الماضي، وارتفع بنسبة 36 في المائة هذا العام ليصل على 16.3875 دولار للمكيال.
وارتفع مؤشر «جي إس سي آي» الذي تصدره «ستاندارد آند بورز» بنسبة 19 في المائة منذ 21 يونيو الماضي، مرتفعا إلى نحو 1 في المائة مما يطلق عليه «السوق الصاعدة». وسوف تحقق السلع عائدا نسبته 27 في المائة خلال 12 شهرا، حسب ما ذكرت شركة «غولدمان ساكس غروب» في تقريرها الصادر يوم 16 يوليو الماضي. وقال فيليب بيترسون، محلل في شركة «إس إي بي إيه بي» الكائنة في أستوكهولم: «ستكون هناك حاجة على الأرجح إلى حافز مالي أو نقدي لرفع أسعار السلع بشكل أكبر».

جون بوغل.. مهندس صناديق الاستثمار الذي لا يهدأ أبدا


في العقد التاسع من عمره وما زال مصرا على إكمال مهمته







  جون بوغل (نيويورك تايمز)
                                                             

نيويورك: جيف سومر*
لقد أصبحت شركة «فانغارد»، وهي شركة إدارة صناديق الاستثمار الخجولة التي أسسها جون بوغل، صرحا ضخما، وصارت صناديق المؤشرات التابعة لها - التي كانت في يوم من الأيام محل سخرية بسبب عدم محاولتها حتى أن تتفوق على السوق - المعيار الذي يسترشد به الآن في هذا المجال.وبعد 6 نوبات قلبية على الأقل وعملية زراعة قلب، استطاع بوغل أن يشهد هذا الانتصار، فقال بصوت منتشٍ: «الأمر كله أشبه بالمعجزة. من الجميل حقا أن أتمكن من رؤية هذا وهو يحدث في حياتي».
وبمثل هذا التاريخ المرضي، فإن أي رجل آخر في الثالثة والثمانين من عمره كان من الممكن أن يجلس ببساطة للاستمتاع بنجاحه، ولكن ليس جون بوغل، فما زال عليه أن يكمل مهمته، بنفس الصراحة وتقريبا بنفس القوة التي كان عليها طوال عمره - وهو يقول إن هذا بفضل قلب رجل أصغر منه سنا. فهو لم ينته بعد، ويؤكد: «من الضروري أن يستيقظ الناس». لماذا؟ لأن هذا هو أسوأ توقيت رآه بالنسبة للمستثمرين على الإطلاق - وبعد ما يزيد على 60 عاما في عالم المال والأعمال، فإن هذا يعني الكثير.
ولنبدأ بالاقتصاد، الذي يعد المصدر الأساسي لعوائد البورصة على المدى البعيد، فيقول بوغل: «هناك غيوم تحوم حول الاقتصاد، والنظام المالي تأذى بشدة. صحيح أن خطر وقوع حدث من أحداث البجعة السوداء - بأن يكون شيء ما مستبعدا لكنه ينذر بشؤم - صغير، لكنه حقيقي». ويضيف أنه حتى مع ذلك، فإن المستثمرين على المدى الطويل يجب أن يحتفظوا بالأسهم، لأنه على الرغم من المخاطر التي قد تكتنف السوق، فما زال من المرجح أن يحقق هذا عوائد أفضل من البدائل.
ويؤكد بوغل: «المستثمرون الذين يتمتعون بالحكمة لن يحاولوا أن يكونوا أذكى من السوق. سوف يشترون صناديق المؤشرات على المدى الطويل، وسوف يحرصون على التنويع. ولكن التنويع في ماذا؟ إنهم بحاجة إلى بدائل، سندات في الغالب. الشيء المخيف جدا الآن هو أن بدائل الأسهم فقيرة للغاية».
ويتابع قائلا إنه في الأزمات المالية التي وقعت خلال الأعوام الكثيرة الماضية، اندفع المستثمرون إلى السندات الحكومية التي تبدو آمنة، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض العوائد، كما دأب مجلس الاحتياطي الفيدرالي والمصارف المركزية الأخرى أيضا على خفض أسعار الفائدة.
غير أن انخفاض العوائد اليوم في رأيه يعني انخفاض العوائد لاحقا، و«النظرة المستقبلية للسندات خلال العقد المقبل فظيعة حقا». ويرى بوغل أنه في ظل هذه النظرة المستقبلية القاتمة، لا بد للناس أن «يثابروا حتى النهاية» إذا أرادوا أن يكون لديهم أمل في بيع منازلهم أو إيصال أبنائهم إلى الجامعة أو الاستمتاع بتقاعد مريح.
وما زال بوغل يدعو إلى الاستثمار طويل الأجل منخفض التكلفة، فيوضح: «أفكاري بسيطة للغاية. عند الاستثمار، فإنك تحصل على ما لا تدفع ثمنه. إن التكاليف أمر مهم، وبالتالي فإن المستثمرين الأذكياء سوف يستعينون بصناديق المؤشرات منخفضة التكلفة لبناء حافظة متنوعة من الأسهم والسندات، وسوف يثابرون حتى النهاية. كما أنهم لن يكونوا حمقى بما يكفي ليعتقدوا أنه يمكنهم التذاكي على السوق طوال الوقت».
ومع ذلك، فنظرا لأن السوق والاقتصاد يمران بأزمة خانقة، فإن هذا هو وقت التحرك على جبهات كثيرة، فيقول بوغل: «ليس أمامنا حقا أي خيار آخر. علينا أن نصلح هذا النظام. كلنا، كأفراد، لا بد أن نفعلها».
وقد كانت هذه هي الرسالة التي قدمها في أحدث مؤلفاته، وهو الكتاب الحادي عشر له بعنوان «صدام الثقافات: الاستثمار في مقابل المضاربة» (The Clash of the Cultures: Investment vs. Speculation)، وهو يتضمن نقدا شديدا لقطاع الخدمات المالية والنصائح المحدثة التي تقدم للمستثمرين، حيث يقول فيه: «لقد انتشرت ثقافة تقوم على المضاربة على المدى القصير، لتحل محل ثقافة الاستثمار على المدى الطويل التي كانت سائدة في السابق في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية».
ويذهب الكثير جدا من المال إلى المضاربة قصيرة الأجل، بحثا عن ربح سريع دون اكتراث يذكر بالمستقبل، وقد تضرر النظام المالي من سيل من الابتكارات المزعومة التي تروج فقط للتداول السريع جدا وتوقيت السوق والمناورات قصيرة النظر من جانب الشركات، بينما يحصل المستثمرون الأفراد على أقل مما يستحقون.
وتتدفق أموال الشركات على الحملات السياسية، كما تعرض نظام معاشات التقاعد الأميركي لحادث قطار، وصارت قيم أميركا الأساسية مهددة. ويظل بوغل رأسماليا راسخا، لكنه يقول إن النظام «فقد توازنه»، مما يهدد المجتمع بأكمله. وهو يقتبس مقولة وينستون تشرشل التي قال فيها: «يمكنكم دوما الاعتماد على الأميركيين في فعل الشيء الصائب - بعد أن جربوا كل شيء آخر»، مؤكدا أن الآن هو الوقت المناسب لتجربة شيء آخر.
وهو من أنصار فرض ضرائب للحد من المضاربة قصيرة الأجل، كما يريد وضع قيود على نشاط الاقتراض، وتوفير الشفافية في المشتقات المالية، وتطبيق عقوبات أكثر صرامة على الجرائم المالية، وربما يكون الأكثر إلحاحا هو وضع معيار موحد للثقة بالنسبة لجميع مديري الأموال: «إن وضع معيار للثقة يعني في الأساس أن توضع مصالح العميل أولا، دون أي أعذار». وهؤلاء العملاء - أي الناس العاديين الذين يخاطبهم دوما - بحاجة إلى حماية أنفسهم من الخطر، فيستطرد قائلا: «في عالم مثالي، كذلك الذي رسمه آدم سميث، سوف يميز الأفراد ما يحتاجون إلى فعله لمصلحتهم الذاتية، وسوف يجعلون التغييرات تحدث ويعتنون بأنفسهم».
ويختلف بوغل أحيانا مع إدارة شركة «فانغارد» الحالية، لكنه يظل فخورا بالشركة التي أسسها، فقد اكتسبت صناديق المؤشرات شعبية أكبر من أي وقت مضى، وبدأ سيل من الأموال يتدفق على الشركة. وبفضل صناديق المؤشرات المتنوعة التي تمتلكها في المقام الأول، حققت شركة «فانغارد»، التي يقع مقرها بالقرب من منطقة فالي فورج بولاية بنسلفانيا، صافيا نقديا بلغ 87,8 مليار دولار منذ بداية هذا العام حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي، هذا بخلاف صناديق أسواق المال، وهذا الرقم يعادل 40 في المائة تقريبا من التدفقات النقدية لقطاع صناديق الاستثمار برمته.
ويقول بارتون مالكييل، الخبير الاقتصادي في «جامعة برينستون» ومؤلف كتاب «جولة عشوائية عبر وول ستريت» (A Random Walk Down Wall Street): «صناديق المؤشرات اكتسبت رواجا كبيرا الآن إلى درجة أنه أصبح من السهل نسيان كم كان جاك بوغل شجاعا وعنيدا في إنشائها. لقد أطلق عليها حماقة بوغل لأن كل ما كانت تقوم به هو مضاعفة عوائد السوق. لكن هذا بالطبع يعتبر شيئا كبيرا. ففي العالم الأكاديمي، كان كثيرون يرون الحكمة من هذا، لكن جاك هو الشخص الذي جعل هذا يحدث فعليا».
وقد حاول بوغل أيضا أن يضمن أن تظل صناديق «فانغارد» دائما رخيصة في شرائها والاحتفاظ بها، وعلى الرغم من أن شركة «فانغارد» ولدت على يديه، فهو لم يحز مطلقا أي حصة ملكية فيها بخلاف الأسهم التي يمتلكها في صناديق الاستثمار التابعة لها، فمساهمو صناديق «فانغارد» يملكون المكان بشكل جماعي، لأنه خططه على هذا النحو.
ويقول بوغل: «الاستراتيجية تتبع الهيكل»، مبينا أنه في ظل عدم وجود أي شركة أم أو ملاك من القطاع الخاص يمتصون الأرباح، فإن شركة «فانغارد» يمكنها أن تبقي التكاليف أقل من أي أحد آخر، وقد كان ذلك هو الهدف دائما. ويمضي قائلا: «الطريقة الوحيدة كي يستطيع أي أحد أن يتنافس معنا حقا فيما يتعلق بالتكاليف هو أن يتبنى هيكل ملكية مشتركة. لقد ظللت أنتظر كل هذه السنوات كي يفعلها أحدهم، لكن أحدا لم يفعل».
وفي السنوات التي شهدت أوج أرباحه في شركة «فانغارد»، كان يداوم على التبرع بنصف راتبه للأعمال الخيرية، ومن بينها اثنتان من المؤسسات التعليمية التي درس بها، هما مدرسة «بلير أكاديمي» (وهي مدرسة إعدادية في منطقة بلير تاون بولاية نيو جيرسي) و«جامعة برينستون»، وكلتاهما كان قد حصل على منحة للدراسة فيها، إلى جانب عمله في وظائف بدوام جزئي كي يساعد على توفير مصاريف دراسته. وفي «جامعة برينستون»، وضع في أحد الأبحاث التي قام بها في الصف النهائي الخطوط العريضة لشركة خدمة المساهمين منخفضة التكاليف التي أصبحت فيما بعد شركة «فانغارد». وما زال بوغل يقدم تبرعات للكثير من القضايا، وهو يعلق قائلا: «أسفي الوحيد بخصوص المال هو أنني لا أملك المزيد منه كي أتبرع به».
وعلى الرغم من أنه لا يتولى أي دور تشغيلي في شركة «فانغارد»، فهو لم يغادرها بصورة تامة، حيث يعمل داخل مقر الشركة رئيسا لـ«مركز بوغل لأبحاث أسواق المال»، وهو معهد بحثي صغير يتيح له منبرا ممتازا يحاول استخدامه بالطريقة الفعالة التي كان يستخدمه بها مثله الأعلى تيودور روزفلت. ويتمتم قائلا: «لم يعد هناك الكثير منا نحن جمهوريي روزفلت». وربما يكون بوغل جمهوريا، إلا أنه أعطى صوته لبيل كلينتون وباراك أوباما، وينوي التصويت لصالح أوباما مرة أخرى. وهو يقول إن التنظيم الحكومي للقطاع المالي غير كافٍ، كما أنه من أنصار «قاعدة فولكر»، التي سميت على اسم صديقه باول فولكر، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يرى ضرورة أن لا تقوم المصارف الخاضعة للضوابط التنظيمية بمراهنات تنطوي على مخاطرة بأموالها الخاصة.
وقد انتقل بوغل إلى هذا المعهد بعد أن غادر مجلس إدارة الشركة عام 1999 وسط صراع مع جون جاك برينان، الرجل الثاني الذي اختاره خلفا له. وكانت صحة بوغل قد أصبحت غير مستقرة في التسعينيات من القرن العشرين، وفي عام 1996، عندما تنحى عن منصب الرئيس تنفيذي وأسنده إلى برينان، كان قد تعرض بالفعل لست نوبات قلبية على الأقل واشتد عليه المرض، وذلك بحسب اثنين من المسؤولين في شركة «فانغارد» وقتها، حيث ذكر أحدهما: «في تلك المرحلة، لم يكن جاك بوغل قادرا على المشي ببطء عبر الغرفة دون أن تنقطع أنفاسه. كان قلب جاك على وشك التوقف عن العمل، فإما أن يجري عملية زراعة قلب أو أن يقول وداعا لهذا العالم». وأجريت له جراحة زراعة القلب في أوائل عام 1996 بنجاح باهر، ويضيف المسؤول: «بدنيا، لقد ولد جاك من جديد. كان هذا رائعا، لكنه جعل الأمور معقدة للغاية في شركة فانغارد».
كان بوغل قد قام بتعيين برينان في الشركة عام 1982، وعملا معا بصورة ودية لما يزيد على 10 سنوات. وذكر مسؤول قديم في شركة «فانغارد» رفض ذكر اسمه لأن هذه المسألة ما زالت حساسة داخل الشركة: «جاك وجاك نوعان مختلفان تماما. جاك برينان هو العقل المدبر، رجل العمليات الذي لا يستهويه الحديث مع الصحافيين، وجاك بوغل هو الوجه الخارجي، مسؤول التسويق الأمثل». ولفترة طويلة، بدا أن هذا التناغم مناسب، لكن الأمور تغيرت بعد عودة بوغل بقلب جديد وقوة متجددة، فعقب توليه منصب «رئيس أول مجلس الإدارة»، وجد بوغل أنه غير متفق مع بعض قرارات برينان، وذكر هذا صراحة، حيث انتقد اهتمام برينان بإنشاء صناديق أسهم قطاعية ذات نظرة ضيقة، كما أقلق بوغل أن شركة «فانغارد» بدأت في التركيز على بيع الصناديق عن طريق مستشاري استثمار، حيث كانت المبيعات المباشرة إلى المستثمرين أحد الابتكارات الرئيسية منخفضة التكلفة في الأيام الأولى للشركة.
وفي عام 1999، مع تصاعد حدة التوترات بينهما، طلب من بوغل الرحيل عن مجلس الإدارة بعد بلوغه سن التقاعد الإلزامي وهو 70 عاما، ويقول الرجل: «كنت أظن أنه سيكون هناك استثناء لمؤسس الشركة». ونشرت تفاصيل النزاع على الملأ، وعرض مجلس الإدارة على بوغل تمديد ولايته، لكنه انتقل إلى المعهد البحثي الجديد، الذي صار مستقرا له منذ ذلك الحين.

الأحد، 15 يوليو 2012

هايدى راسخ تشترى أسهماً فى فبراير 2007 وتبيعها فى مارس بربح 12 مليون جنيه


15/7/2012


هايدى راسخ تشترى أسهماً فى فبراير 2007 وتبيعها فى مارس بربح 12 مليون جنيه

«
الوطن» تحصل على تقرير «هيئة سوق المال» فى قضية التلاعب بالبورصة 
هايدي زوجة علاء متهمة جديدة في قضية البورصة
كشفت تقارير الهيئة العامة لسوق المال التى حصلت عليها «الوطن» عن تورط هايدى راسخ زوجة علاء مبارك نجل الرئيس السابق و23 متهما إضافيا، فى قضية التربح من بيع البنك الوطنى المصرى عام 2007.
وأكدت تقارير الهيئة حول قضيتى التلاعب فى أسهم البنك الوطنى المصرى بالبورصة والتربح من وراء ذلك والمتهم فيها علاء وجمال مبارك نجلا الرئيس السابق حسنى مبارك و7 متهمين آخرين أبرزهم حسن هيكل نجل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، أن 23 شخصا تربحوا من الصفقة مستفيدين من معلومات داخلية.
وبدأت النيابة العامة مؤخرا دراسة التقارير الفنية الصادرة من هيئة سوق المال فى قضيتى التلاعب فى البورصة خلال عامى 2006 و2007، وأكدت التقارير أن المتهمين حققوا أرباحا طائلة من خلال الاستفادة من معلومات داخلية خاصة بالبنك، وأكدت النيابة أن دراسة تلك التقارير التى شملت 3 أعوام من 2005 إلى 2007 أسفرت عن توسيع دائرة الاتهام، حيث ستوجه نفس الاتهامات إلى 23 متهما ارتكبوا نفس الوقائع المنسوبة للآخرين.
توسيع دائرة الاتهام لتشمل 23 شخصاً بعد دراسة تداولات الأسهم على مدى 3 سنوات
وفجرت التقارير التى حصلت «الوطن» على نسخة منها مفاجأة من العيار الثقيل حيث أكدت أن فحص تعاملات هايدى محمد مجدى راسخ -زوجة علاء مبارك- أثبت شراءها 290 ألف سهم فى أيام 20 و21 و22 فبراير 2007 دون أن يكون لها أى تعامل سابق على هذا السهم، ثم أعلن فى 11 مارس 2007 بيان يفيد تلقى البنك الوطنى المصرى خطابات من بنوك إقليمية كبرى تبدى فيها رغبتها فى الاستحواذ على حصة حاكمة فى البنك، وبناء عليه باعت الأسهم بسعر 77٫01 جنيه للسهم محققة أرباحا قدرها 12 مليون جنيه.
وأكدت التقارير الفنية أن شراء هذه الأسهم كان بناء على استغلال معلومات داخلية بما يخالف أحكام القانون رقم 95 لسنة 1992 الخاص بسوق المال ولائحته التنفيذية، خاصة المواد المتعلقة بحظر استخدام المعلومات الداخلية التى تنص على أنه لا يجوز للشركة ولا لأى من المديرين أو العاملين فيها التعامل على الأوراق المالية التى توافرت لديهم معلومات بشأنها أو بيانات غير معلنة فى السوق أو غير متاحة لسائر المتعاملين فيه ولو كانت هذه المعلومات أو البيانات غير مكتملة، وسواء كانت متعلقة بتعامل وشيك على هذه الأوراق أو بأمر آخر ذى تأثير جوهرى على الأوراق أو الجهات المصدرة لها أو على أسعار التعامل بها.
وأجرت اللجنة الفنية المشكلة من هيئة سوق المال العديد من الدراسات على تطور البنك الوطنى المصرى خلال 3 سنوات هى 2005 و2006 و2007، وتبين حدوث تغييرات على مجلس إدارة البنك الوطنى خلال تلك الفترة حيث أصبح صندوق حورس (2) عضوا فى مجلس إدارة البنك بعد شراء الصندوق أسهما فى البنك بمعرفة مدير الصندوق شركة هيرمس للاستثمار المباشر منذ 15 مارس 2006 وحتى 25 يونيو 2006، ورشح الصندوق ياسر الملوانى ليكون ممثلا له فى مجلس إدارة البنك الوطنى، وهو المدير التنفيذى لشركة المجموعة المالية هيرمس القابضة، التى تمتلك هى وشركة بوليون (المملوكة لجمال مبارك بنسبة 50%) شركة إدارة الصندوق، الأمر الذى يشير إلى وجود ارتباط بين شراء الصندوق للأسهم فى البنك، وترشيح ياسر الملوانى لعضوية مجلس إدارة البنك.
وفحصت اللجنة تقارير اجتماعات مجلس إدارة البنك الوطنى المصرى بداية من عام 2005، وتبين من المحضر رقم 1 لسنة 2005 أن هناك تخوفا من عدم تغطية البنك الزيادة فى رأس المال، وهو ما يشير إلى أن سهم البنك لم يكن من الأسهم التى يقبل المستثمرون عليها.
وعرضت الشركة المصرفية العربية شراء البنك وهو ما اعترض عليه مجلس الإدارة وأكدوا أنهم فوجئوا به دون التنسيق معهم، وتساءلوا عن سبب إصرار الشركة على الاستحواذ على البنك، وقدم عضو مجلس الإدارة أحمد فتحى مذكرة يبدو من لهجتها الاعتراض على ذلك، ويتعارض هذا الموقف مع العرض الذى تم بموجبه بيع البنك إلى البنك الوطنى الكويتى، حيث بدأ عرض الموضوع على أنه مفاجأة إلا أنه لاقى استجابة واضحة من أعضاء مجلس الإدارة فيما بعد.
واستخلصت اللجنة من محاضر مجلس إدارة البنك الوطنى المصرى أن المعلومة الجوهرية ليست فى وجود عروض من بنوك أخرى سواء كانت جدية أم لا فحسب، بل إن المعلومة الجوهرية هى أن اتجاه إدارة البنك ترتكز على بيع البنك لتحقيق مكاسب كبيرة من وراء هذه الصفقة وليس تطويره، وأن المشكلة أمامهم فى سبيل تحقيق هذا الهدف كيفية تكوين رابطة من المساهمين يمتلكون معا حصة حاكمة بما يضمن إدارة البنك، وبما يقوى مركزهم فى التفاوض مع أى مشترٍ بما يضمن نجاح الصفقة، وقد استدل على ذلك من فشل الصفقة الخاصة ببنك الشركة المصرفية العربية، التى لم تنجح لعدم استكمال الحصة المطلوب شراؤها فضلا عن عدم رضا إدارة البنك عن ذلك العرض.
وأكدت اللجنة أن إدارة البنك اتجهت إلى الشركات التى لديها عملاء ذوو ملاءة من صناديق أو مؤسسات أو محافظ أو عملاء أفراد ممن تربطهم علاقة (المجموعات المرتبطة)، حيث اتجه نظرها إلى مجموعتى هيرمس والنعيم، وقد ساعد على ذلك وجود عروض من الشركتين (بالإضافة إلى إتش سى) لإنشاء صناديق للبنك، فضلا عن وجود كل من أحمد فتحى حسين، وأيمن أحمد فتحى حسين (المساهم فى صندوق حورس الذى تديره هيرمس)، بالإضافة إلى ضم كل من أحمد نعيم بدر (ممثلا لشركة نايل إنفستمنتر) وياسر الملوانى بعد ذلك ممثلا لصندوق حورس (2) إلى مجلس إدارة البنك، بعد شرائه كميات كبيرة من الأسهم، وتولى أيمن أحمد فتحى رئاسة المجلس بعد الاستقالة المفاجئة لرئيس مجلس الإدارة السابق أحمد حسن قورة. وسعت هذه المجموعة لتنفيذ إرادتها بالشراء لعملائها سواء من الصناديق التى تديرها أو المؤسسات والأفراد التى تدير محافظ أوراق مالية لها، أو توجيه عملاء شركات السمسرة من ذوى الملاءة والعلاقة لشراء أكبر كمية ممكنة من أسهم البنك الوطنى بشكل تدريجى وعلى فترات أطول، حتى لا ترتفع الأسعار أو تتسرب المعلومة لغيرهم فى السوق فيحول دون تحقيق الأرباح المنشودة.
ويستدل على ذلك أنه بعد فشل صفقة عرض بنك الشركة العربية المصرفية شراء البنك الوطنى المصرى بدأ الشراء من قبل عملاء هذه المجموعات الثلاث من منتصف شهر مارس 2006 ونشط تدريجيا من أوائل يوليو 2007، وعندما نشرت إحدى الصحف عرضا من بنوك أجنبية كبرى لشراء حصة حاكمة فى البنك (حيث توقف التداول فى 18/6/2006) قامت إدارة البنك بنفى الخبر وأكدت عدم وجود عرض جدى أو رسمى للاستحواذ على أى نسبة من رأسمال البنك، وأن البنك مستمر فى تنفيذ استراتيجيته التوسعية المعتمدة من مجلس إدارته، فى حين أنه تم تشكيل لجنة لتطوير البنك ووضع استراتيجية البنك بعد نشر الإعلان. وفى ذات الوقت استمر عملاء مجموعة هيرمس، وشركة نعيم كابيتال ليمتد فى الشراء لتملك أكبر حصة ممكنة من الأسهم بأسعار منخفضة، حيث اشترى صندوق حورس (2) والنعيم كابيتال ليمتد وذى إيجيبت فاند وهشام السويدى وG31 حتى قرب نهاية عام 2006، ثم بدأ الشراء ينشط مرة أخرى بعد منتصف فبراير 2007، وتم الشراء لكل من هايدى محمد مجدى راسخ -زوجة علاء مبارك- وعيدروس عمر العيسانى وسليمان أبانمى وأحمد صادق السويدى وغيرهم.
وأكدت اللجنة أن لجنة تطوير البنك شكلت من رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب والمسئولين فى مجموعة هيرمس والنعيم وإتش سى، وأن كل ما يتعلق بالصفقة والمستفيدين الرئيسيين منها ذوو علاقة بهذه المجموعة، وأن الفترة التى استغرقتها اللجنة كانت حتى 15/11/2006، وهذه المجموعة أيضا هى المرتبطة بالصفقة من حيث المتابعة وتلقى العروض، وبالتالى كانت كافة المعلومات متاحة لديها، وأن مثل هذه المعلومات الخاصة بالصفقة لا تكون معلنة أو مكتوبة وتتم فى دائرة محدودة جدا ومغلقة، وبالتالى لا يتم الاستدلال عليها مباشرة وإنما يتم ذلك من خلال متابعة سلوك من لديهم معلومات والمطلعين عليها ومن تربطهم بهم علاقة، حيث تعتبر التصرفات المرآة التى تعكس مضمون المعلومة.
وبمراجعة التعاملات على سهم البنك الوطنى تبين أن الفترة التى استغرقتها لجنة تطوير البنك ما بين التكليف ومناقشة الاستراتيجية التى أعدتها هى نفس الفترة التى تم خلالها الشراء المكثف لسهم البنك الوطنى المصرى بواسطة عملاء المحافظ والصناديق لمجموعة هيرمس، وشركة النعيم كابيتال ليمتد (بالمقارنة بعملاء الشركات الأخرى)، وهو الأمر الذى يستدل منه أن الشراء كان بناء على معلومة داخلية والمتمثلة فى اتجاه الإدارة (الممثلة لأكبر المساهمين) نحو التسويق لبيع البنك لبنوك أجنبية أو عربية، وهو ما أظهرته الأحداث اللاحقة التى أيدت ذلك، والتى جاءت عكس ما أعلنه رئيس مجلس إدارة البنك بأنه يسعى لأن يكون البنك مصريا.
وبعدما تمكن هؤلاء الأشخاص والشركات التى يمتلكونها من شراء الكمية المطلوبة بالأسعار المستهدفة لعملائهم وذويهم، تم الإعلان فى 11 مارس 2007 أنه ورد بيان من البنك الوطنى المصرى يفيد تلقيه خطابات من بنوك إقليمية كبرى تبدى فيها رغبتها فى الاستحواذ على حصة حاكمة فى البنك ورغبتها فى القيام بالفحص النافى للجهالة كخطوة مبدئية، تأتى بناء على قيام مجموعة من كبار المساهمين بالبنك بتعيين المجموعة المالية هيرمس ومجموعة نعيم للاستثمارات المالية مستشاريْن ماليين ومكتب الشلقانى للاستشارات القانونية مستشارا قانونيا للعملية، لتمثيل المساهمين فى التفاوض مع البنوك المتقدمة بخطابات النوايا واتباع الخطوات اللازمة للنظر فى جدوى تحويلها إلى عروض شراء جادة إذا ما عاد ذلك بالنفع على مساهمى البنك.
وأشارت اللجنة إلى أن هذه المعلومة لم تظهر فجأة وأن هذه العروض لا تتم فجأة، بل إن العادة أن يكون هناك اتصالات مبدئية من قبل هذه البنوك قبل تقديم العرض الجدى، وهو الأمر الذى بدأ من منتصف شهر فبراير 2007 عندما عاود النشاط الشرائى لعملاء المجموعة، وبعد نشر هذا الخبر بناء عليه أصبحت المعلومة الخاصة بوجود اتجاه نحو البيع من قبل إدارة البنك ووجود عروض جدية، معلنة لكافة المتعاملين. أما المعلومة الجوهرية الأخرى وهى القيمة المقدرة أو المطلوبة من قبل مجلس إدارة البنك الوطنى المصرى، هى أيضا تكون غير متاحة إلا لمن اتصلت بهم مباشرة وهم أعضاء المجلس بصورة رئيسية، بمعنى أن المعلومة المنشورة ليست كاملة حيث إن الحدود السعرية هنا لها أهميتها لتحديد إلى أى مستوى سعر يمكن شراء هذا السهم وبالتالى ما زالت هذه معلومة داخلية، ويخضع الشراء فى السوق على توقع كل مستثمر إذا لم يكن لديه هذه المعلومة.
وجاءت نهاية هذه الخطة التى أعدها المتهمون بإحكام واستمرت لمدة عام ونصف حينما أعلن عن قبول العرض المقدم من بنك الكويتى الوطنى بشراء 100% من أسهم البنك بسعر 77٫01 جنيه للسهم الواحد، وبناء عليه تكون كافة المعلومات متاحة لدى كافة المتعاملين، والشراء أو عدم البيع بعد هذا التاريخ لا يكون بناء على معلومة داخلية، وإنما هو من قبيل التعامل العادى (إذا كان متخذ القرار المستثمر بنفسه)، أما قبل نشر هذه المعلومات فإن الشراء لأسهم البنك والاحتفاظ بها حتى البيع فى الصفقة أو عدم البيع لأسهم كان قد اشتراها من قبل بشكل يخالف أسلوب تعامل المستثمر على السهم من قبل (الشراء والبيع العادى)، فيعد من قبيل التعامل بناء على معلومة داخلية، ومكنت تلك المعلومات أشخاصا عاديين واعتباريين من تحقيق أرباح طائلة من خلال الأسهم التى تمكنوا من شرائها أو من خلال شركات السمسرة المالية التى يمتلكونها أو يشاركون فيها.

الاثنين، 9 يوليو 2012

أكبر جريمة في تاريخ القرن: الجناة يفلتون من العقاب لسرقة مئات التريليونات


أكبر جريمة في تاريخ القرن: الجناة يفلتون من العقاب لسرقة مئات التريليونات


أدى التلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف إلى خسارة مئات التريليونات من الدولارات وزيادة مأساوية لفقراء العالم من خلال اعتماد التجارة الدولية على هذا المعيار الخديعة. جرى التلاعب على شكل مؤامرة اتفق فيها جميع الأطراف في قطاع البنوك بغرض تقديم صورة إيجابية مزورة لأداء البنوك التي كانت تعاني من مشاكل عديدة جرى إخفاؤها قبل الازمة المالية ومنذ العام 2007.

يشير روبرت شير في صحيفة ذا نيشن إلى أن التلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف أحدث كارثة في قطاع البنوك لكن الجناة في جريمة القرن هذه سيفلتون من العقاب. عمليات الاحتيال التي نالت تغطية إعلامية واسعة مثل روبرت مادوف واحتيالات شركة إنرون هي مجرد جرائم ارتكبها هواة الاحتيال في عالم المصارف، مقارنة مع الاحتيال والتلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف في قطاع المشتقات المالية العالمية. كشفت عمليات التلاعب كيف يتصرف اللاعبين الكبار بحصانة تامة من الملاحقة فهم من يكتبون القوانين قبل ارتكاب الجريمة.


ينتمي كبار المصرفيين العالميين الحاليين إلى طبقة من اللصوص لم يشهد العالم من قبل مثيل لها، بل لم يسبق أن تخيل أحد نظيرها. أدى التلاعب بالليبور، وهو اختصار لمعدل لندن للإقراض بين البنوك London interbank offered rate، إلى فرض غرامة كبيرة على بنك باركليز مع تهديد أكبر المصارف والبنوك العالمية بعد أن كشف أن وراء قطاع المصارف و البنوك العالمي تجلس طبقة فاسدة لدرجة غير مسبوقة من بارونات اللصوص الذين يخربون العالم مع تمتعهم بحصانة مطلقة بلا حساب من قانون ولا مراجعة لضمير وعلى نطاق يصعب تصوره.


وفقا لصحيفة تايمز، لا تعني الصفقة التي سيفلت فيها بنك باركليز من أي عقوبة أخرى، شيئا ما لم يكشف باركليز أدلة تؤدي لإدانة البنوك الأخرى. كانت حجة بنك باركليز لدى حصوله على صفقة الغرامة هو أن كل البنوك الأخرى تقوم بذلك أي كل من جي بي مورجان تشيس وسيتي جروب وإتش إ س بي سي وآخرون يخضعون حاليا للتحقيق للاشتباه بتلاعبهم بمعدلات الليبور ذاتها التي تتحكم بسوق المشتقات المالية التي تبلغ قيمته 700 تريليون دولار.


كان الراتب السنوي لرئيس مجلس إدارة باركليز الذي استقال بعد الفضيحة، يتجاوز 10 ملايين دولار، ومن يقبض تلك الملايين لا شك سيصمت وسيواصل الاحتيال حتى بعد أن نشرت وول ستريت جورنال عن هذه الفضيحة منذ أربع سنوات.   يختم الكاتب بالقول إن الحقيقة المرة هي أن كبار المتورطين في قطاع البنوك سيفلتون بعلتهم من العقاب، فالغموض وعدم الشفافية في عالم البنوك الدولي ليست عن عبث بل يسعى هؤلاء مع الساسة الدعمين لهم من تحقيق أكبر المكاسب، وسيجري الغاضي عن هذه الفضيحة التي كشفتهم وكأن شيئا لم يكن

الأربعاء، 27 يونيو 2012

هل يريد الكونغرس انهياراً اقتصادياً آخر؟


الأربعاء, 27 يونيو 2012 الساعة 09:26
وليام كوهان - بلومبيرغ نيوز

هل يريد الكونغرس انهياراً اقتصادياً آخر؟











هناك سؤال يفرض نفسه وينبغي أن يوضع في الحسبان، في الوقت الذي يستعد فيه الكونغرس لاستجواب جامي ديمون الرئيس التنفيذي لشركة جيه بيه مورغان تشيس آند كو، حول ما إذا كانت خسائر التداول المتزايدة البالغة حتى الآن 3 مليارات دولار يمكن أن تغير أي شيء في سوق وول ستريت؟

وتتمثل الحقيقة المحزنة في أنه على الرغم من كل الكلام المتداول على النطاق العام حول الحاجة إلى الكشف عن تفاصيل الأنظمة التي ستحكم المخاطرة في البنوك الكبرى، إلا أن جيش محامي «وول ستريت» الذي يتلقى أجوراً ضخمة، وجماعات الضغط هناك لا يزالان يعلقان بسخرية على عملية إعادة التنظيم برمتها.

ويبدو من المرجح بشكل متزايد أنه في الوقت الذي تنتهي فيه هذه التمثيلية، سوف ينتهي المطاف بالشعب الأمريكي مع أقل مستوى من القواعد الموضوعية والقيود المفروضة على المخاطر المجنونة التي ترتكبها مؤسسات «وول ستريت» على نحو يفوق ما نعرفه حتى الآن، ولو رجعنا بالذاكرة إلى الوراء لاستعراض ما عرض على الكونغرس حتى الآن، لوجدنا تسعة تشريعات غامضة سبق وأن نظر بها العام الجاري، وتم تصميمها بشكل أو آخر من أجل إضعاف أحكام قانون دود فرانك الهزيل أصلاً، والذي كان قد تم إقراره في يوليو من العام 2010.

وفي الأغلب، تكون معظم التشريعات، من هذا القبيل، مصممة لإحداث تأثير بسيط قد يصل أحياناً إلى مستوى إضاعة الوقت وتأجيل المساءلة الحقيقية، ما قد يدفع الجمهور إلى فقدان الاهتمام إزاء المسألة المطروحة قيد البحث، وتكون هناك قوانين أخرى أشد ضرراً، ومنها على سبيل المثال مشروع قانون توفير الائتمان للأعمال الصغيرة.

وتحت ستار مساعدة جهات الإقراض للمجتمع، يحد ذلك من التعرف إلى المتعاملين بمبادلة القروض، وفقاً لأحكام قانون دود فرانك، الأمر الذي يسمح بنشوء كم أكبر من المقايضات مع أقل مستوى من المراقبة.

ومع ذلك، فقد تم إقراره من قبل مجلس النواب في أبريل الماضي.

سياسة التمييع

إن ما قام به جيم هايمز، النائب الديمقراطي عن ولاية كونيكتيكت، يعتبر من بين أبرز الجهود الأكثر غدراً لتمييع قانون دود فرانك، حيث سبق لهذا النائب الديمقراطي أن عمل في مجموعة غولدمان ساكس، كما يحظى بالدعم من جانب العديد من المسؤولين الماليين التنفيذيين الذين يعيشون في منطقته وعلى مقربة من المناطق الأخرى المجاورة، مثل ستامفورد وغرينيتش وفيرفيلد وبريدجبورت.

وستستثنى فروع الشركات الأجنبية من الحظر المفروض على أنشطة مقايضة الائتمان في الولايات المتحدة بعد تعديل النظام التنظيمي في قانون دود فرانك.

وإذا ما تم إقرار مشروع قانون هايمز الذي يتوقع النظر فيه مرة أخرى، فلن يكون من الصعب أن نتصور قيام «غولدمان ساكس» و«جيه بيه مورغان تشيس» بجمع تريليونات الدولارات من المشتقات أو عمليات مقايضة الائتمان عن طريق الشركات الأجنبية التابعة لهما، في لندن أو أي مكان آخر، ويكون كل ذلك بهدف التهرب من «دود فرانك».

وبالتالي، فإن أسلحة الدمار الشامل هذه، التي سبق لوارن بافيت أن أطلق عليها مصطلحه الشهير «عقود المشتقات»، يمكن أن يتم الاكتتاب فيها على أن تنسب العمليات إلى الشركات الأجنبية، مع أن جميع هذه العمليات يكون هدفها التهرب من الرقابة التي يفرضها قانون دود فرانك.

وحذّر غاري جينسلر، رئيس هيئة تجارة السلع الآجلة، وكذلك هايمز الذي عمل مديراً تنفيذياً لدى غولدمان، من أن مشروع القانون من شأنه أن يترك قطاعات واسعة من مقايضات السوق غير مشمولة بالإصلاحات الجديدة، كما يقلل من الشفافية بشكل كبير، ويزيد من حدة المخاطر التي تواجه النظام المالي.

وتصف النائبة الديمقراطية ماكسين ووترز، عن ولاية كاليفورنيا، بدقة واقتدار تلك الاستراتيجية التي تتبعها البنوك وحلفاؤها في الكونغرس لتجريد قانون دود فرانك من فحواه، بأنه «إعدام مؤلم بعد الإصابة بآلاف الجروح».

وفي أبريل، وصف بارني فرانك النائب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس والعضو المشارك في رعاية قانون دود فرانك، تلك الجهود بالقاسية بعد أن أصبح القانون عديم الجدوى.

وجاء في بيان صادر عنه «إن معاملات المشتقات المالية غير المنظمة وغير المسؤولة تعتبر واحداً من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية».

وأضاف، لقد اعتمدنا في مشروع قانون الإصلاح المالي أحكاماً تسمح للمشتقات بأداء وظيفتها الشرعية للشركات التي تسعى إلى تحقيق استقرار الأسعار، مع ضمان تحقيق تخفيض جوهري في الفرص المتاحة لسوء استغلال تلك المنتجات.

بيد أن مشروعين تقدمت بهما الأغلبية الجمهورية، في لجنة الخدمات المالية في شكلها الحالي، قد أديا إلى إعادة تحرير المشتقات من القيود المعقولة التي فرضت عليها، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى إخراج المارد الشرير من قمقمه ليعيث فساداً مرة أخرى في اقتصادنا.

خطأ فرانك

لو نظرنا من بعض الجوانب، لوجدنا أن فرانك نفسه هو المسؤول عن صياغة قانون يتيح للشركات في «وول ستريت» اختراقه بسهولة تامة، وبدلاً من التوضيح على نحو لا لبس فيه الطريقة التي يمكن اتباعها لتنظيم المشتقات والمقايضات، أو تحديد معالم أنواع المخاطر التي يمكن للشركات في «وول ستريت» أن تقوم بها، أو تغيير نظام الحوافز في «وول ستريت» للتأكد من عدم مكافأة المصرفيين والتجار والمديرين التنفيذيين على الدخول في المخاطر الكبيرة باستخدام أموال الناس الآخرين، نجد أن فرانك وبطريقته الخاصة رضخ للضغوط التي مارسها المديرون في «وول ستريت».

كما نجد أن العديد من الأحكام المهمة، في القانون، تم تمييعها أو تركت غامضة عن عمد.

وبدلاً من وضع خطوط واضحة، لم نحصل سوى على وعود يتعذر فهمها من مجموعات الدراسات مع تفادي بلورة المواعيد النهائية لتحقيقها ..

وبعبارة أخرى، لا يمكن لكائن من كان التعامل مع المخرجات النهائية التي اعتمدها القانون سوى من قبل محامي «وول ستريت» ممن يتقاضون أجوراً عالية.

وفي أعقاب الخسائر غير المتوقعة التي منيت بها «جيه بيه مورغان تشيس»، لم تبذل سوى جهود متواضعة لوقف عملية هدم القانون ذاته.

وفي يوم 31 مايو الماضي، وجهت ماكسين ووترز الدعوة إلى مجموعة من خبراء المشتقات لحضور جلسة استماع عامة عقدها الكونغرس، كما حضرها زملاؤها من أعضاء لجنة الكونغرس للخدمات المالية، وكان موضوعها «الحكمة الكامنة وراء استمرار استخدام المشتقات». بناءً على طلبها، وتولّت الإشراف على تنظيم الجلسة.

وتعتزم ووترز أيضاً، عقد جلسات إضافية بشأن المواضيع الأخرى ذات الصلة.

وفي الخامس من يونيو الجاري، أسست شيلا باير، الرئيسة التنفيذية السابقة لمؤسسة التأمين على الودائع الفيدرالية، مجلس المخاطر الهيكلية الجديد الذي ترعاه جمعيات لبيو الخيرية، حيث تعمل باير في الوقت الحالي، وتنحصر مهمة هذا الجهاز في رصد عملية الإصلاح المالي والتنظيمي، إضافة إلى تحذير الجمهور من المبالغات المالية المضللة.

التجارة بالخسائر

في يوم السادس من يونيو الجاري، استجوب أعضاء من مجلس الشيوخ القائمين على التنظيم في شركة جيه بيه مورغان تشيس في جلسة استماع للجنة المصرفية، حول الأسباب التي حالت دون قدرتهم على كشف الخسارة التجارية الكبيرة التي نكبت بها الشركة، والتي أبلغ ديمون بذاته عنها.

وقال السيناتور الديمقراطي تيم جونسون عن ولاية ساوث داكوتا «إنه على الرغم من أن خسارة (جيه بيه مورغان) لم تؤدِ إلى مشاكل بنيوية، إلا أنها تعتبر تذكيراً واضحاً بأن (وول ستريت) لا يزال في حاجة إلى تحسين إدارة المخاطر وفرض المراقبة الصارمة، وإذا ما تم خرق هذه الأنظمة، يجب تطبيق القوانين المعمول بها».

وفي 13 يونيو، مثل ديمون أمام لجنة في الكونغرس للرد على الأسئلة المتعلقة بالخسائر التجارية.

ومع أن جونسون لم يبتعد عن جادة الصواب بلا شك، يبقى السؤال الحقيقي يتمحور حول الجهة التي ستكتب لها الغلبة في هذه المبارزة المميتة حول مقدار الرقابة التي يمكن للبنوك الكبيرة أن تتحملها في نهاية المطاف.

وكما هي الحال على الدوام، لا يمكنني الرهان ضد قدرات «وول ستريت» الهائلة، وهو ما يجعلني أجزم يقيناً بأن النصر سيكون حليفه لا محالة.

التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية


الأربعاء, 27 يونيو 2012 الساعة 09:26
رولان كوبرز - مدير الأبحاث في مدرسة أمستردام للزعامة الخلاقة - بروجيكت سينديكيت

التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية







على الرغم من المقاومة الاجتماعية المتزايدة التي يواجهها التقشف في أوروبا، فإنه من حيث المبدأ يتسم بالبساطة.

ومع احتدام النقاش حول ضبط الأوضاع المالية مقابل النمو، فمن الواضح أن الاتفاق على كيفية تحريك الاقتصاد ضئيل للغاية، وبعيد عن تنفيذ حزم التحفيز على نطاق واسع.

ومن بين الأفكار المطروحة أن التكنولوجيا البيئية قد تغذي حلقة حميدة من الإبداع وتشغيل العمالة.

ويرى البعض أن النمو الأخضر يستحضر في الذهن الريف المغطى بطواحين الهواء والأسقف الحضرية التي تصطف فوقها الألواح الشمسية. ولكن الأمر أوسع من هذا.

على سبيل المثال، عندما انتقلت شركة «أيرباص» من حقن اللدائن إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد لإنتاج المفصلات المعدنية المستخدمة في أبواب طائراتها، خفضت أوزان هذه الأبواب إلى النصف، الأمر الذي أسفر عن توفير مقادير هائلة من المواد، وما يرتبط بهذا من استهلاك الوقود على مدى عمر طيران هذه المفصلات حول العالم.

من الأسهل، على الرغم من هذا، العثور على نوادر مثيرة، مقارنة بمحاولة إثبات كيف قد يرقى مثل هذا الأمر إلى إعادة تنشيط اقتصاد بالكامل.

وهناك فضلاً عن ذلك قدر عظيم من التنوع في الروايات في ما يتصل بالاقتصاد الأخضر، ومن المرجح أن تنمو مثل هذه الروايات على نطاق واسع.

وباعتباري المؤلف المشارك لتقرير «مسار جديد للنمو في أوروبا»، وهو التقرير الذي تم بتكليف من الحكومة الألمانية، فأنا مذنب بالمساهمة في هذا النشاز من وجهات النظر المتكاملة حول النمو الأخضر.

كانت مؤسسة المناخ الأوروبية قد نشرت بالفعل «خريطة الطريق 2050، الدليل العملي لأوروبا المزدهرة منخفضة الكربون».

ومنذ ذلك الوقت أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة «تقرير الاقتصاد الأخضر»، وكتب ماكنزي عن «ثورة الموارد»، كما نشر مجلس النقابات المهنية الدولي تقرير «النمو الأخضر والوظائف اللائقة»- على سبيل المثال لا الحصر.

ويتبنى الجميع توجهات مختلفة بعض الشيء، ويقدمون توصيات مختلفة، الأمر الذي يجعل من الصعب بالنسبة لصناع السياسات أن يروا الغابة عبر الأشجار.

وفي قلب هذا التعدد من وجهات النظر، تكمن حقيقة مفادها أن الاقتصادات تناضل من أجل تفسير الكيفية التي يحرك بها النمو والإبداع الاقتصاد ككل. إن نماذج الاقتصاد الكلي التي يعتمد عليها صناع القرار السياسي تشكل أدوات قوية في أوقات التطور السلس التدريجي، ولكن النمو الأخضر لا يدور حول التغير التدريجي.

على سبيل المثال، سنجد أن هدف الاتحاد الأوروبي المتمثل في خفض الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري العالمي بنسبة 80 بالمئة بحلول العام 2050 يعني ضمناً الإصلاح الشامل للبنية الأساسية في الاتحاد الأوروبي في غضون بضعة عقود من الزمان.

ولا ينبغي لنا أن نعتبر عجز خبراء الاقتصاد عن وضع النماذج لهذا التغير السريع الجذري إدانة لهذا الفرع من المعرفة، فهو ببساطة انعكاس لحالة معارفنا، ولحقيقة مفادها أن الاقتصاد معقد حقاً.

والأمر ببساطة أننا لم نملك بعد رؤى محددة بالقدر الكافي للكيفية التي تتفاعل بها كل هذه العناصر في أوقات التغيير البعيد المدى، سواء كان الأمر متعلقاً بأزمة مالية أو طفرة في النمو.

وعلى الرغم من هذا، فإن دراسات النمو الأخضر المذكورة أعلاه تزودنا في ما يبدو بالتفسيرات اللازمة. ولكن بأي شيء تنبئنا حقاً؟

في الممارسة العملية، تقتصر كل دراسة على جانب واحد أو جانبين من الاقتصاد، وتصف كيف يتم التفاعل. فتبحث دراسة «النمو الأخضر والوظائف اللائقة» في العلاقة بين الاستثمار والوظائف.

وتفحص دراسة «مسار جديد للنمو في أوروبا» تأثير التوقعات والتعلم من خلال العمل. وتركز دراسة «خريطة الطريق 2050» على تخضير نظام الطاقة. ثم يقفز المؤلفون إلى استخلاص النتائج بشأن الاقتصاد ككل.

ولكن، وعلى الرغم من أن قيمة هذه الدراسات تتلخص في الضوء الذي تسلطه على الأجزاء، فإن العناوين الرئيسة الناشئة عن ذلك تدور حول الكل، ويجري تفصيلها من حيث الناتج المحلي الإجمالي والوظائف.

وكل من هذه الدراسات تصف جزءاً من الاقتصاد الأخضر، ولكن لا يستطيع أي منها منفرداً أن يلخص الكل، ليس لأنها مختلفة، بل لأنها ببساطة تتجاوز قدراتنا.

وعلى الرغم من هذا، فإن عجزنا عن الإثبات بشكل قاطع كيف يعمل النمو الأخضر لا يعني أننا لا بد أن نتخلى عن الفكرة. فنحن نعرف من التاريخ أن موجات الإبداع، من المحرك البخاري إلى ثورة معلومات الاتصال، أدت إلى زيادات هائلة في النمو الاقتصادي. ولا يمكننا أن نثبت أن موجة من الإبداع البيئي قد تؤدي إلى تأثير مماثل، ولكن دراسات الأجزاء تجعل هذه النتيجة معقولة إلى حد كبير.

إننا كبشر مجهزون بشكل فريد لاتخاذ القرارات استناداً إلى معلومات غامضة، بل إننا نفعل هذا دوماً. فعندما نختار مهنة ما أو رفيق حياة في حياتنا الخاصة، أو عندما يغتنم أحد الساسة الفرصة من بين مجموعة كبيرة من الاحتمالات، فإن المهمة تتلخص دوماً في اتخاذ قرارات ذات عواقب كبيرة، استناداً إلى معلومات منقوصة.

الواقع أن مجموعة ضخمة من التقارير حول النمو الأخضر تدلل على معقولية هذا المسار إلى التعافي من أزمة اقتصادية تاريخية. والأمر الآن متروك لنا لتحقيق إمكانات هذا المسار. إن النمو الأخضر يعرض علينا بديلاً عملياً لنهج التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية الحالية.

ويتعين على صناع القرار السياسي أن يستوعبوا هذا التفكير في سردهم في ما يتصل بمرحلة «ما بعد التقشف»، والتي بدأت تتخذ هيئة واضحة في عدد متزايد من الدول الأعضاء الرئيسة في الاتحاد الأوروبي.

الاثنين، 25 يونيو 2012

أوروبا والبحث المضلل عن النمو


الإثنين, 25 يونيو 2012 الساعة 10:17
دانييل غروس - مدير مركز دراسات السياسة الأوروبية - بروجيكت سينديكيت

أوروبا والبحث المضلل عن النمو
قبل بضعة أشهر، وقعت خمس وعشرون دولة من دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين رسمياً على معاهدة تلزمها بتبني حدود صارمة للعجز في دساتيرها الوطنية.

وكان هذا الذي أطلق عليه مسمى «الميثاق المالي» بمثابة الشرط الأساسي لإقناع ألمانيا بالموافقة على زيادة تمويل صناديق إنقاذ منطقة اليورو زيادة كبيرة، ولكي يبدأ البنك المركزي الأوروبي في إجراء عملية إعادة التمويل الطويل الأجل بقيمة تريليون يورو، والتي كانت تمثل ضرورة أساسية لدعم استقرار الأسواق المالية.

ولكن اليوم، تحول انتباه منطقة اليورو نحو النمو.

وهو نمط متكرر في السياسة الأوروبية، الإعلان عن التقشف والدفاع عنه باعتباره شرطاً مسبقاً للنمو، ولكن عندما يصبح الركود موجعاً يتحول النمو الشرط المسبق لاستمرار التقشف.

قبل نحو خمسة عشر عاماً، تعرضت أوروبا لدورة مماثلة. ففي أوائل تسعينات القرن العشرين، وأثناء رسم مخططات الاتحاد النقدي الأوروبي، أصرت ألمانياً على ميثاق الاستقرار باعتباره ثمناً للتخلي عن المارك الألماني.

وعندما انزلقت أوروبا إلى الركود العميق بعد العام 1995، تحـول الانتباه باتجاه النمو، وتحول ميثاق الاستقرار إلى ميثاق الاستقرار والنمو، عندما تبنى المجلس الأوروبي قراراً بشأن النمو والعمالة في العام 1997.

واليوم، أصبحت الحاجة إلى النمو قوية بقدر ما كانت قبل خمسة عشر عاماً. ففي إسبانيا، كان معدل البطالة آنذاك مرتفعاً بقدر ما هو اليوم، وفي إيطاليا كان المعدل في العام 1996 أعلى مما هو عليه اليوم.

ومن الناحية السياسية أيضاً، كانت الخلفية واحدة، فقد تم تحويل ميثاق الاستقرار إلى ميثاق الاستقرار والنمو تحت الضغوط التي مارستها في الأساس الإدارة الفرنسية الجديدة آنذاك برئاسة جاك شيراك.

واليوم قدمت فرنسا الدفعة السياسية للتحول إلى النمو.

إن تحويل النمو إلى أولوية سياسية أمر لا يقبل الجدال فمن قد يكون ضد النمو على أية حال؟. ولكن السؤال الحقيقي هو، ماذا بوسع أوروبا أن تفعل لخلق النمو؟ والإجابة الأمينة هي، أقل القليل.

إن العناصر الرئيسة لأي استراتيجية للنمو يناقشها زعماء أوروبا اليوم هي في واقع الأمر العناصر نفسها أثناء الفترة 1996-1997، إصلاحات سوق العمل، تعزيز السوق الداخلي، زيادة تمويل بنك الاستثمار الأوروبي بهدف إقراض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وزيادة الموارد المخصصة لمشاريع البنية الأساسية في الدول الأعضاء الأكثر فقراً.

والواقع أن العنصرين الأخيرين يجتذبان قدراً كبيراً من الاهتمام لأنهما ينطويان على المزيد من الإنفاق.

ولكن الظروف مختلفة إلى حد كبير اليوم. فالنموذج التجاري الذي يتبناه بنك الاستثمار الأوروبي لا بد من أن يتغير جذرياً حتى يصبح مجدياً في تشجيع النمو، وذلك لأنه لا يقدم قروضاً إلى في مقابل ضمانات حكومية، في حين لا تستطيع الدول ذات السيادة المتعثرة مالياً في جنوب أوروبا أن تتحمل المزيد من الأعباء.

فضلاً عن ذلك، وعلى النقيض من الفهم الخاطئ الشائع، فإن بنك الاستثمار الأوروبي لا يستطيع تقديم القروض بشكل مباشر إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بل يستطيع فقط تزويد البنوك الكبرى بالتمويل لإقراض المؤسسات المحلية الصغيرة والمتوسطة الحجم. ولكن البنك المركزي الأوروبي يقوم بهذه المهمة بالفعل من خلال قروض عملية إعادة التمويل الطويل الأجل لثلاثة أعوام.

وهناك أيضاً الحديث عن خطة مارشال لجنوب أوروبا. قبل خمسة عشر عاماً كانت الحاجة واضحة إلى بنية أساسية أفضل هناك.

ولكن منذ ذلك الوقت، حظيت دول جنوب أوروبا بعقد كامل من الزمان من الاستثمارات المرتفعة في البنية الأساسية، أكثر من 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في أسبانيا واليونان والبرتغال.

ونتيجة لهذا فإن أغلب الدول في جنوب الاتحاد الأوروبي ربما أصبح لديها مخزون كاف من البنية الأساسية اليوم.

وقد تكون زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية أكثر منطقية في ألمانيا، حيث كان الإنفاق على البنية الأساسية هزيلاً (1.6 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، أو نصف المعدل في إسبانيا) طيلة عشرة أعوام تقريباً.

ولهذا السبب أصبحت الطرق السريعة في ألمانيا مشهورة بالازدحام الشديد اليوم.

بيد أن الأمر لا يتطلب الحصول على أموال أوروبية لتمويل البنية الأساسية في ألمانيا، حيث تستطيع الحكومة أن تجمع الأموال بتكاليف حقيقية أقل من الصفر.

وبالمعدلات التي تدفعها اليوم فإن الحكومة الألمانية لا بد من أن تكون قادرة على إيجاد العديد من مشاريع الاستثمار التي تحقق معدلات عائد اجتماعي إيجابية.

ونظراً لقرب ألمانيا من تحقيق هدف التشغيل الكامل للعمالة، فإن زيادة الإنفاق على البنية الأساسية هناك من شأنها أن تؤدي إلى اجتذاب الواردات في الأرجح (واجتذاب عمال البناء العاطلين عن العمل من أسبانيا)، والإسهام بذلك في إعادة التوازن التي تشتد الحاجة إلها داخل منطقة اليورو.

ولكن من المؤسف أن هذا من غير المرجح أن يحدث، وذلك لأن الإنفاق على البنية الأساسية يواجه معارضة شعبية.

والواقع أن مثل هذا الإنفاق يتقرر على المستويين المحلي والإقليمي، حيث المعارضة الشعبية لأي مشروع ضخم أشد قوة (على سبيل المثال استغرق الأمر أكثر من عشرين عاماً لإكمال تحديث محطة شتوتجارت للسكك الحديدية).

ويبدو أن الرغبة في الظهور بمظهر من يفعل شيئاً، تدفع صناع القرار السياسي في أوروبا إلى الاعتماد على الأدوات القليلة التي يستطيع بها الاتحاد الأوروبي أن يزعم أنه يعمل على تعزيز النمو.

ولكن يتعين عليهم أن يدركوا أن أزمة النمو اليوم مختلفة.

ولا ينبغي للصفقة الحقيقية أن تكون التقشف إلى جانب خطة مارشال بالنسبة للجنوب، بل الاستمرار في التقشف جنباً إلى جنب مع إصلاح سوق العمل في الجنوب، مصحوباً بالمزيد من الاستثمار في البنية الأساسية في ألمانيا وغيرها من الدول صاحبة التصنيف (AAA) مثل هولندا.

إن الإصلاحات العميقة في قطاع الخدمات في ألمانيا من شأنها أيضاً أن تساعد على إطلاق العنان لإمكانات البلاد الإنتاجية وفتح أسواقها لصادرات دول جنوب أوروبا من الخدمات.

وبهذا يصبح بوسع الجنوب أن يحظى بالفرصة لإيجاد فرص عمل لشبابه من ذوي التعليم الجيد، والذين لا يجدون أمامهم الآن إلا الاختيار بين البطالة والهجرة.