الأحد، 15 يوليو 2012

هايدى راسخ تشترى أسهماً فى فبراير 2007 وتبيعها فى مارس بربح 12 مليون جنيه


15/7/2012


هايدى راسخ تشترى أسهماً فى فبراير 2007 وتبيعها فى مارس بربح 12 مليون جنيه

«
الوطن» تحصل على تقرير «هيئة سوق المال» فى قضية التلاعب بالبورصة 
هايدي زوجة علاء متهمة جديدة في قضية البورصة
كشفت تقارير الهيئة العامة لسوق المال التى حصلت عليها «الوطن» عن تورط هايدى راسخ زوجة علاء مبارك نجل الرئيس السابق و23 متهما إضافيا، فى قضية التربح من بيع البنك الوطنى المصرى عام 2007.
وأكدت تقارير الهيئة حول قضيتى التلاعب فى أسهم البنك الوطنى المصرى بالبورصة والتربح من وراء ذلك والمتهم فيها علاء وجمال مبارك نجلا الرئيس السابق حسنى مبارك و7 متهمين آخرين أبرزهم حسن هيكل نجل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، أن 23 شخصا تربحوا من الصفقة مستفيدين من معلومات داخلية.
وبدأت النيابة العامة مؤخرا دراسة التقارير الفنية الصادرة من هيئة سوق المال فى قضيتى التلاعب فى البورصة خلال عامى 2006 و2007، وأكدت التقارير أن المتهمين حققوا أرباحا طائلة من خلال الاستفادة من معلومات داخلية خاصة بالبنك، وأكدت النيابة أن دراسة تلك التقارير التى شملت 3 أعوام من 2005 إلى 2007 أسفرت عن توسيع دائرة الاتهام، حيث ستوجه نفس الاتهامات إلى 23 متهما ارتكبوا نفس الوقائع المنسوبة للآخرين.
توسيع دائرة الاتهام لتشمل 23 شخصاً بعد دراسة تداولات الأسهم على مدى 3 سنوات
وفجرت التقارير التى حصلت «الوطن» على نسخة منها مفاجأة من العيار الثقيل حيث أكدت أن فحص تعاملات هايدى محمد مجدى راسخ -زوجة علاء مبارك- أثبت شراءها 290 ألف سهم فى أيام 20 و21 و22 فبراير 2007 دون أن يكون لها أى تعامل سابق على هذا السهم، ثم أعلن فى 11 مارس 2007 بيان يفيد تلقى البنك الوطنى المصرى خطابات من بنوك إقليمية كبرى تبدى فيها رغبتها فى الاستحواذ على حصة حاكمة فى البنك، وبناء عليه باعت الأسهم بسعر 77٫01 جنيه للسهم محققة أرباحا قدرها 12 مليون جنيه.
وأكدت التقارير الفنية أن شراء هذه الأسهم كان بناء على استغلال معلومات داخلية بما يخالف أحكام القانون رقم 95 لسنة 1992 الخاص بسوق المال ولائحته التنفيذية، خاصة المواد المتعلقة بحظر استخدام المعلومات الداخلية التى تنص على أنه لا يجوز للشركة ولا لأى من المديرين أو العاملين فيها التعامل على الأوراق المالية التى توافرت لديهم معلومات بشأنها أو بيانات غير معلنة فى السوق أو غير متاحة لسائر المتعاملين فيه ولو كانت هذه المعلومات أو البيانات غير مكتملة، وسواء كانت متعلقة بتعامل وشيك على هذه الأوراق أو بأمر آخر ذى تأثير جوهرى على الأوراق أو الجهات المصدرة لها أو على أسعار التعامل بها.
وأجرت اللجنة الفنية المشكلة من هيئة سوق المال العديد من الدراسات على تطور البنك الوطنى المصرى خلال 3 سنوات هى 2005 و2006 و2007، وتبين حدوث تغييرات على مجلس إدارة البنك الوطنى خلال تلك الفترة حيث أصبح صندوق حورس (2) عضوا فى مجلس إدارة البنك بعد شراء الصندوق أسهما فى البنك بمعرفة مدير الصندوق شركة هيرمس للاستثمار المباشر منذ 15 مارس 2006 وحتى 25 يونيو 2006، ورشح الصندوق ياسر الملوانى ليكون ممثلا له فى مجلس إدارة البنك الوطنى، وهو المدير التنفيذى لشركة المجموعة المالية هيرمس القابضة، التى تمتلك هى وشركة بوليون (المملوكة لجمال مبارك بنسبة 50%) شركة إدارة الصندوق، الأمر الذى يشير إلى وجود ارتباط بين شراء الصندوق للأسهم فى البنك، وترشيح ياسر الملوانى لعضوية مجلس إدارة البنك.
وفحصت اللجنة تقارير اجتماعات مجلس إدارة البنك الوطنى المصرى بداية من عام 2005، وتبين من المحضر رقم 1 لسنة 2005 أن هناك تخوفا من عدم تغطية البنك الزيادة فى رأس المال، وهو ما يشير إلى أن سهم البنك لم يكن من الأسهم التى يقبل المستثمرون عليها.
وعرضت الشركة المصرفية العربية شراء البنك وهو ما اعترض عليه مجلس الإدارة وأكدوا أنهم فوجئوا به دون التنسيق معهم، وتساءلوا عن سبب إصرار الشركة على الاستحواذ على البنك، وقدم عضو مجلس الإدارة أحمد فتحى مذكرة يبدو من لهجتها الاعتراض على ذلك، ويتعارض هذا الموقف مع العرض الذى تم بموجبه بيع البنك إلى البنك الوطنى الكويتى، حيث بدأ عرض الموضوع على أنه مفاجأة إلا أنه لاقى استجابة واضحة من أعضاء مجلس الإدارة فيما بعد.
واستخلصت اللجنة من محاضر مجلس إدارة البنك الوطنى المصرى أن المعلومة الجوهرية ليست فى وجود عروض من بنوك أخرى سواء كانت جدية أم لا فحسب، بل إن المعلومة الجوهرية هى أن اتجاه إدارة البنك ترتكز على بيع البنك لتحقيق مكاسب كبيرة من وراء هذه الصفقة وليس تطويره، وأن المشكلة أمامهم فى سبيل تحقيق هذا الهدف كيفية تكوين رابطة من المساهمين يمتلكون معا حصة حاكمة بما يضمن إدارة البنك، وبما يقوى مركزهم فى التفاوض مع أى مشترٍ بما يضمن نجاح الصفقة، وقد استدل على ذلك من فشل الصفقة الخاصة ببنك الشركة المصرفية العربية، التى لم تنجح لعدم استكمال الحصة المطلوب شراؤها فضلا عن عدم رضا إدارة البنك عن ذلك العرض.
وأكدت اللجنة أن إدارة البنك اتجهت إلى الشركات التى لديها عملاء ذوو ملاءة من صناديق أو مؤسسات أو محافظ أو عملاء أفراد ممن تربطهم علاقة (المجموعات المرتبطة)، حيث اتجه نظرها إلى مجموعتى هيرمس والنعيم، وقد ساعد على ذلك وجود عروض من الشركتين (بالإضافة إلى إتش سى) لإنشاء صناديق للبنك، فضلا عن وجود كل من أحمد فتحى حسين، وأيمن أحمد فتحى حسين (المساهم فى صندوق حورس الذى تديره هيرمس)، بالإضافة إلى ضم كل من أحمد نعيم بدر (ممثلا لشركة نايل إنفستمنتر) وياسر الملوانى بعد ذلك ممثلا لصندوق حورس (2) إلى مجلس إدارة البنك، بعد شرائه كميات كبيرة من الأسهم، وتولى أيمن أحمد فتحى رئاسة المجلس بعد الاستقالة المفاجئة لرئيس مجلس الإدارة السابق أحمد حسن قورة. وسعت هذه المجموعة لتنفيذ إرادتها بالشراء لعملائها سواء من الصناديق التى تديرها أو المؤسسات والأفراد التى تدير محافظ أوراق مالية لها، أو توجيه عملاء شركات السمسرة من ذوى الملاءة والعلاقة لشراء أكبر كمية ممكنة من أسهم البنك الوطنى بشكل تدريجى وعلى فترات أطول، حتى لا ترتفع الأسعار أو تتسرب المعلومة لغيرهم فى السوق فيحول دون تحقيق الأرباح المنشودة.
ويستدل على ذلك أنه بعد فشل صفقة عرض بنك الشركة العربية المصرفية شراء البنك الوطنى المصرى بدأ الشراء من قبل عملاء هذه المجموعات الثلاث من منتصف شهر مارس 2006 ونشط تدريجيا من أوائل يوليو 2007، وعندما نشرت إحدى الصحف عرضا من بنوك أجنبية كبرى لشراء حصة حاكمة فى البنك (حيث توقف التداول فى 18/6/2006) قامت إدارة البنك بنفى الخبر وأكدت عدم وجود عرض جدى أو رسمى للاستحواذ على أى نسبة من رأسمال البنك، وأن البنك مستمر فى تنفيذ استراتيجيته التوسعية المعتمدة من مجلس إدارته، فى حين أنه تم تشكيل لجنة لتطوير البنك ووضع استراتيجية البنك بعد نشر الإعلان. وفى ذات الوقت استمر عملاء مجموعة هيرمس، وشركة نعيم كابيتال ليمتد فى الشراء لتملك أكبر حصة ممكنة من الأسهم بأسعار منخفضة، حيث اشترى صندوق حورس (2) والنعيم كابيتال ليمتد وذى إيجيبت فاند وهشام السويدى وG31 حتى قرب نهاية عام 2006، ثم بدأ الشراء ينشط مرة أخرى بعد منتصف فبراير 2007، وتم الشراء لكل من هايدى محمد مجدى راسخ -زوجة علاء مبارك- وعيدروس عمر العيسانى وسليمان أبانمى وأحمد صادق السويدى وغيرهم.
وأكدت اللجنة أن لجنة تطوير البنك شكلت من رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب والمسئولين فى مجموعة هيرمس والنعيم وإتش سى، وأن كل ما يتعلق بالصفقة والمستفيدين الرئيسيين منها ذوو علاقة بهذه المجموعة، وأن الفترة التى استغرقتها اللجنة كانت حتى 15/11/2006، وهذه المجموعة أيضا هى المرتبطة بالصفقة من حيث المتابعة وتلقى العروض، وبالتالى كانت كافة المعلومات متاحة لديها، وأن مثل هذه المعلومات الخاصة بالصفقة لا تكون معلنة أو مكتوبة وتتم فى دائرة محدودة جدا ومغلقة، وبالتالى لا يتم الاستدلال عليها مباشرة وإنما يتم ذلك من خلال متابعة سلوك من لديهم معلومات والمطلعين عليها ومن تربطهم بهم علاقة، حيث تعتبر التصرفات المرآة التى تعكس مضمون المعلومة.
وبمراجعة التعاملات على سهم البنك الوطنى تبين أن الفترة التى استغرقتها لجنة تطوير البنك ما بين التكليف ومناقشة الاستراتيجية التى أعدتها هى نفس الفترة التى تم خلالها الشراء المكثف لسهم البنك الوطنى المصرى بواسطة عملاء المحافظ والصناديق لمجموعة هيرمس، وشركة النعيم كابيتال ليمتد (بالمقارنة بعملاء الشركات الأخرى)، وهو الأمر الذى يستدل منه أن الشراء كان بناء على معلومة داخلية والمتمثلة فى اتجاه الإدارة (الممثلة لأكبر المساهمين) نحو التسويق لبيع البنك لبنوك أجنبية أو عربية، وهو ما أظهرته الأحداث اللاحقة التى أيدت ذلك، والتى جاءت عكس ما أعلنه رئيس مجلس إدارة البنك بأنه يسعى لأن يكون البنك مصريا.
وبعدما تمكن هؤلاء الأشخاص والشركات التى يمتلكونها من شراء الكمية المطلوبة بالأسعار المستهدفة لعملائهم وذويهم، تم الإعلان فى 11 مارس 2007 أنه ورد بيان من البنك الوطنى المصرى يفيد تلقيه خطابات من بنوك إقليمية كبرى تبدى فيها رغبتها فى الاستحواذ على حصة حاكمة فى البنك ورغبتها فى القيام بالفحص النافى للجهالة كخطوة مبدئية، تأتى بناء على قيام مجموعة من كبار المساهمين بالبنك بتعيين المجموعة المالية هيرمس ومجموعة نعيم للاستثمارات المالية مستشاريْن ماليين ومكتب الشلقانى للاستشارات القانونية مستشارا قانونيا للعملية، لتمثيل المساهمين فى التفاوض مع البنوك المتقدمة بخطابات النوايا واتباع الخطوات اللازمة للنظر فى جدوى تحويلها إلى عروض شراء جادة إذا ما عاد ذلك بالنفع على مساهمى البنك.
وأشارت اللجنة إلى أن هذه المعلومة لم تظهر فجأة وأن هذه العروض لا تتم فجأة، بل إن العادة أن يكون هناك اتصالات مبدئية من قبل هذه البنوك قبل تقديم العرض الجدى، وهو الأمر الذى بدأ من منتصف شهر فبراير 2007 عندما عاود النشاط الشرائى لعملاء المجموعة، وبعد نشر هذا الخبر بناء عليه أصبحت المعلومة الخاصة بوجود اتجاه نحو البيع من قبل إدارة البنك ووجود عروض جدية، معلنة لكافة المتعاملين. أما المعلومة الجوهرية الأخرى وهى القيمة المقدرة أو المطلوبة من قبل مجلس إدارة البنك الوطنى المصرى، هى أيضا تكون غير متاحة إلا لمن اتصلت بهم مباشرة وهم أعضاء المجلس بصورة رئيسية، بمعنى أن المعلومة المنشورة ليست كاملة حيث إن الحدود السعرية هنا لها أهميتها لتحديد إلى أى مستوى سعر يمكن شراء هذا السهم وبالتالى ما زالت هذه معلومة داخلية، ويخضع الشراء فى السوق على توقع كل مستثمر إذا لم يكن لديه هذه المعلومة.
وجاءت نهاية هذه الخطة التى أعدها المتهمون بإحكام واستمرت لمدة عام ونصف حينما أعلن عن قبول العرض المقدم من بنك الكويتى الوطنى بشراء 100% من أسهم البنك بسعر 77٫01 جنيه للسهم الواحد، وبناء عليه تكون كافة المعلومات متاحة لدى كافة المتعاملين، والشراء أو عدم البيع بعد هذا التاريخ لا يكون بناء على معلومة داخلية، وإنما هو من قبيل التعامل العادى (إذا كان متخذ القرار المستثمر بنفسه)، أما قبل نشر هذه المعلومات فإن الشراء لأسهم البنك والاحتفاظ بها حتى البيع فى الصفقة أو عدم البيع لأسهم كان قد اشتراها من قبل بشكل يخالف أسلوب تعامل المستثمر على السهم من قبل (الشراء والبيع العادى)، فيعد من قبيل التعامل بناء على معلومة داخلية، ومكنت تلك المعلومات أشخاصا عاديين واعتباريين من تحقيق أرباح طائلة من خلال الأسهم التى تمكنوا من شرائها أو من خلال شركات السمسرة المالية التى يمتلكونها أو يشاركون فيها.

الاثنين، 9 يوليو 2012

أكبر جريمة في تاريخ القرن: الجناة يفلتون من العقاب لسرقة مئات التريليونات


أكبر جريمة في تاريخ القرن: الجناة يفلتون من العقاب لسرقة مئات التريليونات


أدى التلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف إلى خسارة مئات التريليونات من الدولارات وزيادة مأساوية لفقراء العالم من خلال اعتماد التجارة الدولية على هذا المعيار الخديعة. جرى التلاعب على شكل مؤامرة اتفق فيها جميع الأطراف في قطاع البنوك بغرض تقديم صورة إيجابية مزورة لأداء البنوك التي كانت تعاني من مشاكل عديدة جرى إخفاؤها قبل الازمة المالية ومنذ العام 2007.

يشير روبرت شير في صحيفة ذا نيشن إلى أن التلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف أحدث كارثة في قطاع البنوك لكن الجناة في جريمة القرن هذه سيفلتون من العقاب. عمليات الاحتيال التي نالت تغطية إعلامية واسعة مثل روبرت مادوف واحتيالات شركة إنرون هي مجرد جرائم ارتكبها هواة الاحتيال في عالم المصارف، مقارنة مع الاحتيال والتلاعب بمعدل الإقراض بين المصارف في قطاع المشتقات المالية العالمية. كشفت عمليات التلاعب كيف يتصرف اللاعبين الكبار بحصانة تامة من الملاحقة فهم من يكتبون القوانين قبل ارتكاب الجريمة.


ينتمي كبار المصرفيين العالميين الحاليين إلى طبقة من اللصوص لم يشهد العالم من قبل مثيل لها، بل لم يسبق أن تخيل أحد نظيرها. أدى التلاعب بالليبور، وهو اختصار لمعدل لندن للإقراض بين البنوك London interbank offered rate، إلى فرض غرامة كبيرة على بنك باركليز مع تهديد أكبر المصارف والبنوك العالمية بعد أن كشف أن وراء قطاع المصارف و البنوك العالمي تجلس طبقة فاسدة لدرجة غير مسبوقة من بارونات اللصوص الذين يخربون العالم مع تمتعهم بحصانة مطلقة بلا حساب من قانون ولا مراجعة لضمير وعلى نطاق يصعب تصوره.


وفقا لصحيفة تايمز، لا تعني الصفقة التي سيفلت فيها بنك باركليز من أي عقوبة أخرى، شيئا ما لم يكشف باركليز أدلة تؤدي لإدانة البنوك الأخرى. كانت حجة بنك باركليز لدى حصوله على صفقة الغرامة هو أن كل البنوك الأخرى تقوم بذلك أي كل من جي بي مورجان تشيس وسيتي جروب وإتش إ س بي سي وآخرون يخضعون حاليا للتحقيق للاشتباه بتلاعبهم بمعدلات الليبور ذاتها التي تتحكم بسوق المشتقات المالية التي تبلغ قيمته 700 تريليون دولار.


كان الراتب السنوي لرئيس مجلس إدارة باركليز الذي استقال بعد الفضيحة، يتجاوز 10 ملايين دولار، ومن يقبض تلك الملايين لا شك سيصمت وسيواصل الاحتيال حتى بعد أن نشرت وول ستريت جورنال عن هذه الفضيحة منذ أربع سنوات.   يختم الكاتب بالقول إن الحقيقة المرة هي أن كبار المتورطين في قطاع البنوك سيفلتون بعلتهم من العقاب، فالغموض وعدم الشفافية في عالم البنوك الدولي ليست عن عبث بل يسعى هؤلاء مع الساسة الدعمين لهم من تحقيق أكبر المكاسب، وسيجري الغاضي عن هذه الفضيحة التي كشفتهم وكأن شيئا لم يكن

الأربعاء، 27 يونيو 2012

هل يريد الكونغرس انهياراً اقتصادياً آخر؟


الأربعاء, 27 يونيو 2012 الساعة 09:26
وليام كوهان - بلومبيرغ نيوز

هل يريد الكونغرس انهياراً اقتصادياً آخر؟











هناك سؤال يفرض نفسه وينبغي أن يوضع في الحسبان، في الوقت الذي يستعد فيه الكونغرس لاستجواب جامي ديمون الرئيس التنفيذي لشركة جيه بيه مورغان تشيس آند كو، حول ما إذا كانت خسائر التداول المتزايدة البالغة حتى الآن 3 مليارات دولار يمكن أن تغير أي شيء في سوق وول ستريت؟

وتتمثل الحقيقة المحزنة في أنه على الرغم من كل الكلام المتداول على النطاق العام حول الحاجة إلى الكشف عن تفاصيل الأنظمة التي ستحكم المخاطرة في البنوك الكبرى، إلا أن جيش محامي «وول ستريت» الذي يتلقى أجوراً ضخمة، وجماعات الضغط هناك لا يزالان يعلقان بسخرية على عملية إعادة التنظيم برمتها.

ويبدو من المرجح بشكل متزايد أنه في الوقت الذي تنتهي فيه هذه التمثيلية، سوف ينتهي المطاف بالشعب الأمريكي مع أقل مستوى من القواعد الموضوعية والقيود المفروضة على المخاطر المجنونة التي ترتكبها مؤسسات «وول ستريت» على نحو يفوق ما نعرفه حتى الآن، ولو رجعنا بالذاكرة إلى الوراء لاستعراض ما عرض على الكونغرس حتى الآن، لوجدنا تسعة تشريعات غامضة سبق وأن نظر بها العام الجاري، وتم تصميمها بشكل أو آخر من أجل إضعاف أحكام قانون دود فرانك الهزيل أصلاً، والذي كان قد تم إقراره في يوليو من العام 2010.

وفي الأغلب، تكون معظم التشريعات، من هذا القبيل، مصممة لإحداث تأثير بسيط قد يصل أحياناً إلى مستوى إضاعة الوقت وتأجيل المساءلة الحقيقية، ما قد يدفع الجمهور إلى فقدان الاهتمام إزاء المسألة المطروحة قيد البحث، وتكون هناك قوانين أخرى أشد ضرراً، ومنها على سبيل المثال مشروع قانون توفير الائتمان للأعمال الصغيرة.

وتحت ستار مساعدة جهات الإقراض للمجتمع، يحد ذلك من التعرف إلى المتعاملين بمبادلة القروض، وفقاً لأحكام قانون دود فرانك، الأمر الذي يسمح بنشوء كم أكبر من المقايضات مع أقل مستوى من المراقبة.

ومع ذلك، فقد تم إقراره من قبل مجلس النواب في أبريل الماضي.

سياسة التمييع

إن ما قام به جيم هايمز، النائب الديمقراطي عن ولاية كونيكتيكت، يعتبر من بين أبرز الجهود الأكثر غدراً لتمييع قانون دود فرانك، حيث سبق لهذا النائب الديمقراطي أن عمل في مجموعة غولدمان ساكس، كما يحظى بالدعم من جانب العديد من المسؤولين الماليين التنفيذيين الذين يعيشون في منطقته وعلى مقربة من المناطق الأخرى المجاورة، مثل ستامفورد وغرينيتش وفيرفيلد وبريدجبورت.

وستستثنى فروع الشركات الأجنبية من الحظر المفروض على أنشطة مقايضة الائتمان في الولايات المتحدة بعد تعديل النظام التنظيمي في قانون دود فرانك.

وإذا ما تم إقرار مشروع قانون هايمز الذي يتوقع النظر فيه مرة أخرى، فلن يكون من الصعب أن نتصور قيام «غولدمان ساكس» و«جيه بيه مورغان تشيس» بجمع تريليونات الدولارات من المشتقات أو عمليات مقايضة الائتمان عن طريق الشركات الأجنبية التابعة لهما، في لندن أو أي مكان آخر، ويكون كل ذلك بهدف التهرب من «دود فرانك».

وبالتالي، فإن أسلحة الدمار الشامل هذه، التي سبق لوارن بافيت أن أطلق عليها مصطلحه الشهير «عقود المشتقات»، يمكن أن يتم الاكتتاب فيها على أن تنسب العمليات إلى الشركات الأجنبية، مع أن جميع هذه العمليات يكون هدفها التهرب من الرقابة التي يفرضها قانون دود فرانك.

وحذّر غاري جينسلر، رئيس هيئة تجارة السلع الآجلة، وكذلك هايمز الذي عمل مديراً تنفيذياً لدى غولدمان، من أن مشروع القانون من شأنه أن يترك قطاعات واسعة من مقايضات السوق غير مشمولة بالإصلاحات الجديدة، كما يقلل من الشفافية بشكل كبير، ويزيد من حدة المخاطر التي تواجه النظام المالي.

وتصف النائبة الديمقراطية ماكسين ووترز، عن ولاية كاليفورنيا، بدقة واقتدار تلك الاستراتيجية التي تتبعها البنوك وحلفاؤها في الكونغرس لتجريد قانون دود فرانك من فحواه، بأنه «إعدام مؤلم بعد الإصابة بآلاف الجروح».

وفي أبريل، وصف بارني فرانك النائب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس والعضو المشارك في رعاية قانون دود فرانك، تلك الجهود بالقاسية بعد أن أصبح القانون عديم الجدوى.

وجاء في بيان صادر عنه «إن معاملات المشتقات المالية غير المنظمة وغير المسؤولة تعتبر واحداً من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية».

وأضاف، لقد اعتمدنا في مشروع قانون الإصلاح المالي أحكاماً تسمح للمشتقات بأداء وظيفتها الشرعية للشركات التي تسعى إلى تحقيق استقرار الأسعار، مع ضمان تحقيق تخفيض جوهري في الفرص المتاحة لسوء استغلال تلك المنتجات.

بيد أن مشروعين تقدمت بهما الأغلبية الجمهورية، في لجنة الخدمات المالية في شكلها الحالي، قد أديا إلى إعادة تحرير المشتقات من القيود المعقولة التي فرضت عليها، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى إخراج المارد الشرير من قمقمه ليعيث فساداً مرة أخرى في اقتصادنا.

خطأ فرانك

لو نظرنا من بعض الجوانب، لوجدنا أن فرانك نفسه هو المسؤول عن صياغة قانون يتيح للشركات في «وول ستريت» اختراقه بسهولة تامة، وبدلاً من التوضيح على نحو لا لبس فيه الطريقة التي يمكن اتباعها لتنظيم المشتقات والمقايضات، أو تحديد معالم أنواع المخاطر التي يمكن للشركات في «وول ستريت» أن تقوم بها، أو تغيير نظام الحوافز في «وول ستريت» للتأكد من عدم مكافأة المصرفيين والتجار والمديرين التنفيذيين على الدخول في المخاطر الكبيرة باستخدام أموال الناس الآخرين، نجد أن فرانك وبطريقته الخاصة رضخ للضغوط التي مارسها المديرون في «وول ستريت».

كما نجد أن العديد من الأحكام المهمة، في القانون، تم تمييعها أو تركت غامضة عن عمد.

وبدلاً من وضع خطوط واضحة، لم نحصل سوى على وعود يتعذر فهمها من مجموعات الدراسات مع تفادي بلورة المواعيد النهائية لتحقيقها ..

وبعبارة أخرى، لا يمكن لكائن من كان التعامل مع المخرجات النهائية التي اعتمدها القانون سوى من قبل محامي «وول ستريت» ممن يتقاضون أجوراً عالية.

وفي أعقاب الخسائر غير المتوقعة التي منيت بها «جيه بيه مورغان تشيس»، لم تبذل سوى جهود متواضعة لوقف عملية هدم القانون ذاته.

وفي يوم 31 مايو الماضي، وجهت ماكسين ووترز الدعوة إلى مجموعة من خبراء المشتقات لحضور جلسة استماع عامة عقدها الكونغرس، كما حضرها زملاؤها من أعضاء لجنة الكونغرس للخدمات المالية، وكان موضوعها «الحكمة الكامنة وراء استمرار استخدام المشتقات». بناءً على طلبها، وتولّت الإشراف على تنظيم الجلسة.

وتعتزم ووترز أيضاً، عقد جلسات إضافية بشأن المواضيع الأخرى ذات الصلة.

وفي الخامس من يونيو الجاري، أسست شيلا باير، الرئيسة التنفيذية السابقة لمؤسسة التأمين على الودائع الفيدرالية، مجلس المخاطر الهيكلية الجديد الذي ترعاه جمعيات لبيو الخيرية، حيث تعمل باير في الوقت الحالي، وتنحصر مهمة هذا الجهاز في رصد عملية الإصلاح المالي والتنظيمي، إضافة إلى تحذير الجمهور من المبالغات المالية المضللة.

التجارة بالخسائر

في يوم السادس من يونيو الجاري، استجوب أعضاء من مجلس الشيوخ القائمين على التنظيم في شركة جيه بيه مورغان تشيس في جلسة استماع للجنة المصرفية، حول الأسباب التي حالت دون قدرتهم على كشف الخسارة التجارية الكبيرة التي نكبت بها الشركة، والتي أبلغ ديمون بذاته عنها.

وقال السيناتور الديمقراطي تيم جونسون عن ولاية ساوث داكوتا «إنه على الرغم من أن خسارة (جيه بيه مورغان) لم تؤدِ إلى مشاكل بنيوية، إلا أنها تعتبر تذكيراً واضحاً بأن (وول ستريت) لا يزال في حاجة إلى تحسين إدارة المخاطر وفرض المراقبة الصارمة، وإذا ما تم خرق هذه الأنظمة، يجب تطبيق القوانين المعمول بها».

وفي 13 يونيو، مثل ديمون أمام لجنة في الكونغرس للرد على الأسئلة المتعلقة بالخسائر التجارية.

ومع أن جونسون لم يبتعد عن جادة الصواب بلا شك، يبقى السؤال الحقيقي يتمحور حول الجهة التي ستكتب لها الغلبة في هذه المبارزة المميتة حول مقدار الرقابة التي يمكن للبنوك الكبيرة أن تتحملها في نهاية المطاف.

وكما هي الحال على الدوام، لا يمكنني الرهان ضد قدرات «وول ستريت» الهائلة، وهو ما يجعلني أجزم يقيناً بأن النصر سيكون حليفه لا محالة.

التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية


الأربعاء, 27 يونيو 2012 الساعة 09:26
رولان كوبرز - مدير الأبحاث في مدرسة أمستردام للزعامة الخلاقة - بروجيكت سينديكيت

التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية







على الرغم من المقاومة الاجتماعية المتزايدة التي يواجهها التقشف في أوروبا، فإنه من حيث المبدأ يتسم بالبساطة.

ومع احتدام النقاش حول ضبط الأوضاع المالية مقابل النمو، فمن الواضح أن الاتفاق على كيفية تحريك الاقتصاد ضئيل للغاية، وبعيد عن تنفيذ حزم التحفيز على نطاق واسع.

ومن بين الأفكار المطروحة أن التكنولوجيا البيئية قد تغذي حلقة حميدة من الإبداع وتشغيل العمالة.

ويرى البعض أن النمو الأخضر يستحضر في الذهن الريف المغطى بطواحين الهواء والأسقف الحضرية التي تصطف فوقها الألواح الشمسية. ولكن الأمر أوسع من هذا.

على سبيل المثال، عندما انتقلت شركة «أيرباص» من حقن اللدائن إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد لإنتاج المفصلات المعدنية المستخدمة في أبواب طائراتها، خفضت أوزان هذه الأبواب إلى النصف، الأمر الذي أسفر عن توفير مقادير هائلة من المواد، وما يرتبط بهذا من استهلاك الوقود على مدى عمر طيران هذه المفصلات حول العالم.

من الأسهل، على الرغم من هذا، العثور على نوادر مثيرة، مقارنة بمحاولة إثبات كيف قد يرقى مثل هذا الأمر إلى إعادة تنشيط اقتصاد بالكامل.

وهناك فضلاً عن ذلك قدر عظيم من التنوع في الروايات في ما يتصل بالاقتصاد الأخضر، ومن المرجح أن تنمو مثل هذه الروايات على نطاق واسع.

وباعتباري المؤلف المشارك لتقرير «مسار جديد للنمو في أوروبا»، وهو التقرير الذي تم بتكليف من الحكومة الألمانية، فأنا مذنب بالمساهمة في هذا النشاز من وجهات النظر المتكاملة حول النمو الأخضر.

كانت مؤسسة المناخ الأوروبية قد نشرت بالفعل «خريطة الطريق 2050، الدليل العملي لأوروبا المزدهرة منخفضة الكربون».

ومنذ ذلك الوقت أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة «تقرير الاقتصاد الأخضر»، وكتب ماكنزي عن «ثورة الموارد»، كما نشر مجلس النقابات المهنية الدولي تقرير «النمو الأخضر والوظائف اللائقة»- على سبيل المثال لا الحصر.

ويتبنى الجميع توجهات مختلفة بعض الشيء، ويقدمون توصيات مختلفة، الأمر الذي يجعل من الصعب بالنسبة لصناع السياسات أن يروا الغابة عبر الأشجار.

وفي قلب هذا التعدد من وجهات النظر، تكمن حقيقة مفادها أن الاقتصادات تناضل من أجل تفسير الكيفية التي يحرك بها النمو والإبداع الاقتصاد ككل. إن نماذج الاقتصاد الكلي التي يعتمد عليها صناع القرار السياسي تشكل أدوات قوية في أوقات التطور السلس التدريجي، ولكن النمو الأخضر لا يدور حول التغير التدريجي.

على سبيل المثال، سنجد أن هدف الاتحاد الأوروبي المتمثل في خفض الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري العالمي بنسبة 80 بالمئة بحلول العام 2050 يعني ضمناً الإصلاح الشامل للبنية الأساسية في الاتحاد الأوروبي في غضون بضعة عقود من الزمان.

ولا ينبغي لنا أن نعتبر عجز خبراء الاقتصاد عن وضع النماذج لهذا التغير السريع الجذري إدانة لهذا الفرع من المعرفة، فهو ببساطة انعكاس لحالة معارفنا، ولحقيقة مفادها أن الاقتصاد معقد حقاً.

والأمر ببساطة أننا لم نملك بعد رؤى محددة بالقدر الكافي للكيفية التي تتفاعل بها كل هذه العناصر في أوقات التغيير البعيد المدى، سواء كان الأمر متعلقاً بأزمة مالية أو طفرة في النمو.

وعلى الرغم من هذا، فإن دراسات النمو الأخضر المذكورة أعلاه تزودنا في ما يبدو بالتفسيرات اللازمة. ولكن بأي شيء تنبئنا حقاً؟

في الممارسة العملية، تقتصر كل دراسة على جانب واحد أو جانبين من الاقتصاد، وتصف كيف يتم التفاعل. فتبحث دراسة «النمو الأخضر والوظائف اللائقة» في العلاقة بين الاستثمار والوظائف.

وتفحص دراسة «مسار جديد للنمو في أوروبا» تأثير التوقعات والتعلم من خلال العمل. وتركز دراسة «خريطة الطريق 2050» على تخضير نظام الطاقة. ثم يقفز المؤلفون إلى استخلاص النتائج بشأن الاقتصاد ككل.

ولكن، وعلى الرغم من أن قيمة هذه الدراسات تتلخص في الضوء الذي تسلطه على الأجزاء، فإن العناوين الرئيسة الناشئة عن ذلك تدور حول الكل، ويجري تفصيلها من حيث الناتج المحلي الإجمالي والوظائف.

وكل من هذه الدراسات تصف جزءاً من الاقتصاد الأخضر، ولكن لا يستطيع أي منها منفرداً أن يلخص الكل، ليس لأنها مختلفة، بل لأنها ببساطة تتجاوز قدراتنا.

وعلى الرغم من هذا، فإن عجزنا عن الإثبات بشكل قاطع كيف يعمل النمو الأخضر لا يعني أننا لا بد أن نتخلى عن الفكرة. فنحن نعرف من التاريخ أن موجات الإبداع، من المحرك البخاري إلى ثورة معلومات الاتصال، أدت إلى زيادات هائلة في النمو الاقتصادي. ولا يمكننا أن نثبت أن موجة من الإبداع البيئي قد تؤدي إلى تأثير مماثل، ولكن دراسات الأجزاء تجعل هذه النتيجة معقولة إلى حد كبير.

إننا كبشر مجهزون بشكل فريد لاتخاذ القرارات استناداً إلى معلومات غامضة، بل إننا نفعل هذا دوماً. فعندما نختار مهنة ما أو رفيق حياة في حياتنا الخاصة، أو عندما يغتنم أحد الساسة الفرصة من بين مجموعة كبيرة من الاحتمالات، فإن المهمة تتلخص دوماً في اتخاذ قرارات ذات عواقب كبيرة، استناداً إلى معلومات منقوصة.

الواقع أن مجموعة ضخمة من التقارير حول النمو الأخضر تدلل على معقولية هذا المسار إلى التعافي من أزمة اقتصادية تاريخية. والأمر الآن متروك لنا لتحقيق إمكانات هذا المسار. إن النمو الأخضر يعرض علينا بديلاً عملياً لنهج التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية الحالية.

ويتعين على صناع القرار السياسي أن يستوعبوا هذا التفكير في سردهم في ما يتصل بمرحلة «ما بعد التقشف»، والتي بدأت تتخذ هيئة واضحة في عدد متزايد من الدول الأعضاء الرئيسة في الاتحاد الأوروبي.

الاثنين، 25 يونيو 2012

أوروبا والبحث المضلل عن النمو


الإثنين, 25 يونيو 2012 الساعة 10:17
دانييل غروس - مدير مركز دراسات السياسة الأوروبية - بروجيكت سينديكيت

أوروبا والبحث المضلل عن النمو
قبل بضعة أشهر، وقعت خمس وعشرون دولة من دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين رسمياً على معاهدة تلزمها بتبني حدود صارمة للعجز في دساتيرها الوطنية.

وكان هذا الذي أطلق عليه مسمى «الميثاق المالي» بمثابة الشرط الأساسي لإقناع ألمانيا بالموافقة على زيادة تمويل صناديق إنقاذ منطقة اليورو زيادة كبيرة، ولكي يبدأ البنك المركزي الأوروبي في إجراء عملية إعادة التمويل الطويل الأجل بقيمة تريليون يورو، والتي كانت تمثل ضرورة أساسية لدعم استقرار الأسواق المالية.

ولكن اليوم، تحول انتباه منطقة اليورو نحو النمو.

وهو نمط متكرر في السياسة الأوروبية، الإعلان عن التقشف والدفاع عنه باعتباره شرطاً مسبقاً للنمو، ولكن عندما يصبح الركود موجعاً يتحول النمو الشرط المسبق لاستمرار التقشف.

قبل نحو خمسة عشر عاماً، تعرضت أوروبا لدورة مماثلة. ففي أوائل تسعينات القرن العشرين، وأثناء رسم مخططات الاتحاد النقدي الأوروبي، أصرت ألمانياً على ميثاق الاستقرار باعتباره ثمناً للتخلي عن المارك الألماني.

وعندما انزلقت أوروبا إلى الركود العميق بعد العام 1995، تحـول الانتباه باتجاه النمو، وتحول ميثاق الاستقرار إلى ميثاق الاستقرار والنمو، عندما تبنى المجلس الأوروبي قراراً بشأن النمو والعمالة في العام 1997.

واليوم، أصبحت الحاجة إلى النمو قوية بقدر ما كانت قبل خمسة عشر عاماً. ففي إسبانيا، كان معدل البطالة آنذاك مرتفعاً بقدر ما هو اليوم، وفي إيطاليا كان المعدل في العام 1996 أعلى مما هو عليه اليوم.

ومن الناحية السياسية أيضاً، كانت الخلفية واحدة، فقد تم تحويل ميثاق الاستقرار إلى ميثاق الاستقرار والنمو تحت الضغوط التي مارستها في الأساس الإدارة الفرنسية الجديدة آنذاك برئاسة جاك شيراك.

واليوم قدمت فرنسا الدفعة السياسية للتحول إلى النمو.

إن تحويل النمو إلى أولوية سياسية أمر لا يقبل الجدال فمن قد يكون ضد النمو على أية حال؟. ولكن السؤال الحقيقي هو، ماذا بوسع أوروبا أن تفعل لخلق النمو؟ والإجابة الأمينة هي، أقل القليل.

إن العناصر الرئيسة لأي استراتيجية للنمو يناقشها زعماء أوروبا اليوم هي في واقع الأمر العناصر نفسها أثناء الفترة 1996-1997، إصلاحات سوق العمل، تعزيز السوق الداخلي، زيادة تمويل بنك الاستثمار الأوروبي بهدف إقراض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وزيادة الموارد المخصصة لمشاريع البنية الأساسية في الدول الأعضاء الأكثر فقراً.

والواقع أن العنصرين الأخيرين يجتذبان قدراً كبيراً من الاهتمام لأنهما ينطويان على المزيد من الإنفاق.

ولكن الظروف مختلفة إلى حد كبير اليوم. فالنموذج التجاري الذي يتبناه بنك الاستثمار الأوروبي لا بد من أن يتغير جذرياً حتى يصبح مجدياً في تشجيع النمو، وذلك لأنه لا يقدم قروضاً إلى في مقابل ضمانات حكومية، في حين لا تستطيع الدول ذات السيادة المتعثرة مالياً في جنوب أوروبا أن تتحمل المزيد من الأعباء.

فضلاً عن ذلك، وعلى النقيض من الفهم الخاطئ الشائع، فإن بنك الاستثمار الأوروبي لا يستطيع تقديم القروض بشكل مباشر إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بل يستطيع فقط تزويد البنوك الكبرى بالتمويل لإقراض المؤسسات المحلية الصغيرة والمتوسطة الحجم. ولكن البنك المركزي الأوروبي يقوم بهذه المهمة بالفعل من خلال قروض عملية إعادة التمويل الطويل الأجل لثلاثة أعوام.

وهناك أيضاً الحديث عن خطة مارشال لجنوب أوروبا. قبل خمسة عشر عاماً كانت الحاجة واضحة إلى بنية أساسية أفضل هناك.

ولكن منذ ذلك الوقت، حظيت دول جنوب أوروبا بعقد كامل من الزمان من الاستثمارات المرتفعة في البنية الأساسية، أكثر من 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في أسبانيا واليونان والبرتغال.

ونتيجة لهذا فإن أغلب الدول في جنوب الاتحاد الأوروبي ربما أصبح لديها مخزون كاف من البنية الأساسية اليوم.

وقد تكون زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية أكثر منطقية في ألمانيا، حيث كان الإنفاق على البنية الأساسية هزيلاً (1.6 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، أو نصف المعدل في إسبانيا) طيلة عشرة أعوام تقريباً.

ولهذا السبب أصبحت الطرق السريعة في ألمانيا مشهورة بالازدحام الشديد اليوم.

بيد أن الأمر لا يتطلب الحصول على أموال أوروبية لتمويل البنية الأساسية في ألمانيا، حيث تستطيع الحكومة أن تجمع الأموال بتكاليف حقيقية أقل من الصفر.

وبالمعدلات التي تدفعها اليوم فإن الحكومة الألمانية لا بد من أن تكون قادرة على إيجاد العديد من مشاريع الاستثمار التي تحقق معدلات عائد اجتماعي إيجابية.

ونظراً لقرب ألمانيا من تحقيق هدف التشغيل الكامل للعمالة، فإن زيادة الإنفاق على البنية الأساسية هناك من شأنها أن تؤدي إلى اجتذاب الواردات في الأرجح (واجتذاب عمال البناء العاطلين عن العمل من أسبانيا)، والإسهام بذلك في إعادة التوازن التي تشتد الحاجة إلها داخل منطقة اليورو.

ولكن من المؤسف أن هذا من غير المرجح أن يحدث، وذلك لأن الإنفاق على البنية الأساسية يواجه معارضة شعبية.

والواقع أن مثل هذا الإنفاق يتقرر على المستويين المحلي والإقليمي، حيث المعارضة الشعبية لأي مشروع ضخم أشد قوة (على سبيل المثال استغرق الأمر أكثر من عشرين عاماً لإكمال تحديث محطة شتوتجارت للسكك الحديدية).

ويبدو أن الرغبة في الظهور بمظهر من يفعل شيئاً، تدفع صناع القرار السياسي في أوروبا إلى الاعتماد على الأدوات القليلة التي يستطيع بها الاتحاد الأوروبي أن يزعم أنه يعمل على تعزيز النمو.

ولكن يتعين عليهم أن يدركوا أن أزمة النمو اليوم مختلفة.

ولا ينبغي للصفقة الحقيقية أن تكون التقشف إلى جانب خطة مارشال بالنسبة للجنوب، بل الاستمرار في التقشف جنباً إلى جنب مع إصلاح سوق العمل في الجنوب، مصحوباً بالمزيد من الاستثمار في البنية الأساسية في ألمانيا وغيرها من الدول صاحبة التصنيف (AAA) مثل هولندا.

إن الإصلاحات العميقة في قطاع الخدمات في ألمانيا من شأنها أيضاً أن تساعد على إطلاق العنان لإمكانات البلاد الإنتاجية وفتح أسواقها لصادرات دول جنوب أوروبا من الخدمات.

وبهذا يصبح بوسع الجنوب أن يحظى بالفرصة لإيجاد فرص عمل لشبابه من ذوي التعليم الجيد، والذين لا يجدون أمامهم الآن إلا الاختيار بين البطالة والهجرة.

تباطؤ الاقتصاد الصيني يعمّق جراح الأسواق


لإثنين, 25 يونيو 2012 الساعة 10:18
ويليام غامبل - رئيس إيميرجينغ ماركينينغ ستراتيجيز

تباطؤ الاقتصاد الصيني يعمّق جراح الأسواق
ظهرت في الآونة الأخيرة موجة من القلق في الأسواق بشأن تباطؤ النمو في الصين.

وعلى الرغم من البيانات القادمة من الصين، فإنه لا يوجد هناك حقاً شيء يدعو للقلق.

وعلى الرغم من تسجيل انخفاض وصل إلى 50.4 في مايو الماضي، فإنها لا تزال في الشهر السادس على التوالي التي تشهد مستوى من التوسع بنسبة تزيد على 50.

وما يزال هذا الاتجاه يبدو غير مشجع، ولكنه لا يدعو للقلق، ووعد رئيس مجلس الدولة، ون جيا باو، أن الحكومة سوف تتبع سياسات نمو أكثر فاعلية، بما في ذلك الإنفاق على البنية التحتية وإجراءات إضافية «لضبط» للاقتصاد.

ويبدي معظم الخبراء الاقتصاديين في العالم احتراماً يصل إلى أعتاب القدسية تقريباً تجاه الإدارة الاقتصادية الصينية، ويشعرون أنها لا تواجه أي مشكلة.

ولكن هل هم على صواب؟

كما تشتهر الصين بكونها مصنعاً للعالم، وتشكل الصادرات 30 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي.

ومع أن الصين أقل عرضة لحدوث تباطؤ لصادراتها في أماكن مثل أوروبا، كما حدث مع دول أخرى مثل كوريا التي تشكل صادراتها أكثر من نصف الاقتصاد، إلا أنها ستكون أكثر تضرراً من الولايات المتحدة التي تصدر ما نسبته 13 بالمئة فقط من منتجاتها.

ومع وجود المشاكل التي تعاني منها أوروبا، فإنه ليس من المستغرب أن ترتفع صادرات هذا البلد بنسبة 4.9 بالمئة فقط عن العام الماضي.

وكان هذا بمثابة مفاجأة للمحللين الذين كانوا يتوقعون تسجيل نمو بنسبة 8.5 بالمئة، ولكن الصادرات تشهد تباطؤاً فعلياً منذ نهاية العام 2010.

وكانت الأرقام المتعلقة بالاستيراد أسوأ بكثير، إذ كانت التوقعات تشير إلى احتمال نموها بنسبة 10.9 بالمئة، ولكن وارداتها نمت بالكاد بنسبة 0.3 بالمئة فقط.

وتعتبر الواردات المؤشر الأكثر أهمية، لأنه يفترض من الصين النجاح في إعادة توازن اقتصادها نحو الاستهلاك المحلي. ولكن من المؤكد أن المستهلكين الصينيين لا يقومون بالدور المتوقع منهم.

ووفق دراسة حديثة، فقد تبين أن الصينيين يدخرون أكثر مما ينفقون.

لكن يبدو أن الأرقام الصينية ليست الوحيدة التي تبعث على القلق. لقد كانت الصين تتولى قيادة معظم النمو في الاقتصاد العالمي منذ بداية الكساد العظيم.

وتعتمد دول أخرى كثيرة اعتماداً كبيراً على الطلب الداخلي فيها.

وكانت السلع الأساسية، خصوصاً شركات التعدين، المستفيد الرئيس من ذلك، ولكن الطفرة ولّت الآن.

كما انخفضت أسعار المعادن بنسبة تتجاوز 20 بالمئة من أعلى مستوى وصلت إليه في العام 2011، وكانت أوضاع الشركات التي تعمل في مجال تنقيب عن المعادن أسوأ من ذلك.

وانخفض مؤشر فوتسي العالمي للتعدين بنسبة 31.8 بالمئة عن الذروة التي بلغها في أبريل من العام 2011.

وغالباً ما يطلق المحللون على النحاس مسميات مرموقة، تدل على رفعة شأنه في الأسواق، لأنه من المفترض أن تعكس قوة الطلب على النحاس صحة الاقتصاد العالمي.

وفي شهر فبراير من العام الماضي، كانت التوقعات بشأن الطلب الصيني ضخمة للغاية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع السعر إلى أعلى مستوياته، ووصل إلى أكثر من 10 آلاف دولار للطن، ولكنه شهد تراجعاً في الآونة الأخيرة، وهبط إلى أقل من 8 آلاف دولار للطن الواحد.

واستوردت الصين الكثير من هذا المعدن، ولكنها عمدت إلى إعادة تصدير كميات كبيرة منه بعد ذلك.

ووفق ما يقوله لي كي تشيانغ، الرئيس الصيني المقبل حسب المعطيات الحالية، تعتبر الأرقام الرسمية المتعلقة بالناتج المحلي الإجمالي «استرشادية» فقط.

ولتحديد الوضع الحقيقي للاقتصاد الصيني، فإنه يفضل الاعتماد على استهلاك الكهرباء، وحجم البضائع التي يتم نقلها عبر السكك الحديدية، وحجم صرف القروض المصرفية.

ولكن هذه المؤشرات تكشف عن وجود مشكلة، ففي شهر أبريل الماضي ارتفع إنتاج الكهرباء بنسبة 11 بالمئة، كما زاد العام الجاري بنسبة 0.7 بالمئة فقط.

وينمو شحن البضائع بالسكك الحديدية بمعدل النصف، مقارنة بأرقام العام الماضي.

وتشكل عقارات البناء في الاقتصاد الصيني ضعف الحجم، مقارنة بمعظم الدول الأخرى، ولكن أسعار المساكن تعاني الانخفاض المتواصل.

وانخفضت الأسعار في وينزهو بنسبة 3 بالمئة، وفي بكين بنسبة واحد بالمئة، وفي شنغهاي 1.3 بالمئة. وشهد شهر مارس أيضاً انخفاضاً بنسبة 50 بالمئة في مبيعات الجرافات الصينية.

ومن المفترض أن تقوم الصين بإعادة التوازن لاقتصادها بعيداً عن الأنشطة الاستثمارية، وتحديداً عن طريق تشجيع المستهلكين على المزيد من الإنفاق، ولكن المستهلكين تجاهلوا أمر هذه الرسالة، فتباطأ نمو مبيعات التجزئة خلال شهر أبريل 14.1 بالمئة، ليسجل أدنى مستوى له على مدى 14 شهراً.

لكن لا يوجد ما يدعو للقلق جراء كل ذلك. ودفعت الاضطرابات التي ظهرت خلال مؤخراً في السوق المستثمرين في جميع أنحاء العالم إلى التوقع بأن البنوك المركزية سوف تتدخل من خلال فرض المزيد من الإجراءات النقدية البناءة. ولن تكون الصين استثناءً في ذلك.

وقال محللون في صندوق النقد الدولي: إن الصين تتمتع بفسحة للاستجابة المالية التعويضية، وإنه ينبغي عليها الاستفادة من هذه الفرصة.

وهناك الكثير من الدلائل التي تؤكد على هذا الأمر، ومع ذلك، لا يمكن نكران وجود مشكلة. وتكمن المفارقة في هذا الجانب في أن الصين تعمل على حفز اقتصادها بالفعل، ولكن ذلك لم يجد نفعاً حتى الآن.

وفي الآونة الأخيرة، قرر بنك الشعب الصيني فرض خفض لما يوازي 50 نقطة أساس في نسبة الاحتياط للبنوك، وهو الخفض الثالث في غضون ستة أشهر.

ويفترض أن يؤدي هذا القرار إلى ضخ مبلغ إضافي قدره 63 مليار دولار في أوصال النظام المالي. وهناك أيضاً توقعات تنتشر على نطاق واسع بتسجيل خفض على أسعار الفائدة، ولكن ذلك لن يساعدها أيضاً.

وكان من المفترض أن تقوم البنوك بإقراض 800 مليار يوان في شهر أبريل الماضي، ولكنها لم توفر سوى 681 مليار يوان (أي ما يعادل 108 مليارات دولار).

ويتضح من كل ذلك أن الأمر يزداد سوءاً بالفعل هناك. وكان نمو القروض للبنوك الصينية الأربعة الكبرى خلال الأسبوعين الأولين من شهر مايو الماضي صفراً تماماً، كما كان هناك انخفاض في الودائع.

إن هذه المعطيات تعكس وجود مشكلة كبيرة، خصوصاً أن الحوافز المالية والنقدية التي يتوقعها الجميع من الصين لن تؤدي إلى حدوث المعجزة المنتظرة.

وتبدي الحكومات، وعلى وجه الخصوص الحكومة الصينية، تعلقاً بالتلاعب في السوق. بيد أن المفارقة الآن هي أن السوق يتلاعب بهذه الحكومات. لذلك فإن الواقع يؤكد حقيقة أن الاقتصاد الصيني دخل مرحلة التباطؤ لا محالة، ولا يهم كثيراً ما يقوله المسؤولون هناك، حتى لو كانت التصريحات صادرة عن الرئيس الصيني المتوقع.

أوبك بين خيارين.. عائدات سريعة مرتفعة أو تنمية متوازنة مستدامة


لإثنين, 25 يونيو 2012 الساعة 10:18
د. علي بن حسن التواتي

أوبك بين خيارين.. عائدات سريعة مرتفعة أو تنمية متوازنة مستدامة
مرة أخرى تثبت السعودية في اجتماعات منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) بأنها المنتج المرجح في قرارات المنظمة التي تحدد سياساتها التسعيرية للنفط في سوق الطاقة العالمية.

اتضح ذلك جلياً في النتيجة التي توصل إليها الاجتماع الوزاري الخميس الماضي في مقر المنظمة في فيينا بالإبقاء على سقف الإنتاج اليومي الحالي للمنظمة عند 30 مليون برميل في اليوم، حتى ديسمبر المقبل أو حتى اجتماع طارئ إذا ما استمرت الأسعار بالتهاوي.

ويأتي هذا القرار على الرغم من المناشدات بقيادة إيران والعراق وفنزويلا قبل وأثناء المؤتمر، لوضع وزير النفط السعودي علي النعيمي تحت الضغط للموافقة على تخفيض إنتاج أوبك على أمل الحفاظ على تماسك الأسعار.

والحقيقة أنه على الرغم من كل التحليلات السياسية المرافقة للاجتماع الوزاري ونتائجه، من أن السعودية ترغب من خلال الإبقاء على السقف الحالي لإنتاج المنظمة أو رفعه إيذاء إيران وروسيا بزيادة الكميات وخفض الأسعار، فإن مثل هذه التحليلات تجانب الصواب بالتأكيد وذلك لأن في انخفاض الأسعار إذا ما اعتبرناه المعيار الوحيد للربحية في سوق الطاقة العالمية إيذاء للمملكة ذاتها وانخفاضاً لعائداتها النفطية، وهي الدولة التي لديها مشاريع عملاقة تحت التنفيذ تفوق قيمتها 500 مليار ريال وتحتاج للمزيد من التمويل والإنفاق لاستكمالها.

تحليلات أخرى ترى أن الدافع خلف الموقف السعودي المعارض لتخفيض كمية الإنتاج يعود لعضويتها في مجموعة العشرين، ورغبتها في الحفاظ على مكانتها الدولية بالإبقاء على علاقات حسنة مع أمريكا وأوروبا وتقديم هدية للعالم، تتمثل في أسعار منخفضة للطاقة لتحفيز الاقتصادات العالمية لتحقيق مزيد من النمو، وذلك على غرار ما حدث بعد الأزمة الآسيوية سنة 1999، حيث حفز انخفاض النفط بنسبة 50 بالمئة الاقتصادات العالمية لتجاوز تداعياتها.

وهذا أيضاً تحليل عجيب لأن الانخفاض في أسعار النفط العالمية الذي أعقب الأزمة الآسيوية لم يكن مقصوداً أو مخططاً من المملكة لإخراج العالم من الأزمة، بل إنه كان إلى حد كبير نتيجة لانخفاض الطلب على النفط بسبب الأزمة، كما هو متوقع حالياً بسبب الديون الأوربية والمخاطر المحدقة بمنطقة اليورو.

كما أن هناك عوامل أخرى تضافرت حينها وقادت إلى ذلك الانخفاض الهائل منها حرب الأسعار العالمية التي اشتعلت فيما بين أعضاء أوبك من جانب، وفيما بينهم وبين المنتجين من خارج المنظمة من جانب آخر.

فقد كان كل طرف من الأطراف يحاول بيع نفطه يشكل انفرادي بأي سعر تحت ضغط الحاجة للتمويل وموازنة ميزانيات الدول التي عانت كثيراً من العجز في تلك الفترة.

ولذلك لا يمكن قبول تحليل يعزو موقف المملكة إلى رغبتها في أن تكون لطيفة وأن تساعد العالم على حساب شعبها ونموه.

ويبقى تحليل أخير جدير بالاهتمام يعزو الموقف السعودي المتشدد من ارتفاع الأسعار كثيراً إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، إلى مراقبة السعودية عن كثب للتطورات التي تجري على ساحة الطاقة في شمال القارة الأمريكية، والتقنيات العلمية الحديثة الفعالة في استخراج الغاز والنفط الصخري والرملي، والتي مكنت الولايات المتحدة من الاكتفاء الذاتي بالغاز الطبيعي وظهور توقعات عن قرب اكتفائها بالنفط المحلي بحلول سنة 2025 على أبعد تقدير. علماً بأن الولايات المتحدة تستورد حالياً 4.5 مليون برميل من دول أوبك أو ما يعادل 20 بالمئة من صادرات المنظمة اليومية ونصف احتياجاتها اليومية من النفط.

لكن يجب ملاحظة أن الولايات المتحدة حققت أعلى نمو في الإنتاج النفطي من خارج أوبك سنة 2011، وللعام الثالث على التوالي.

وذلك يعني أن جرس الإنذار يصم آذان أعضاء أوبك منذ مدة طويلة والسعودية ودول الخليج العربية هي المجموعة المركزية ذات الاحتياطات الهائلة في المنظمة، ولذلك عندما تعمل المملكة على توازن الأسعار تحقق هدفين في آن واحد أحدهما التأثير على منتجي النفط الصخري والرملي مرتفع التكاليف بإجبارهم على التوقف عن الإنتاج والاستعاضة عنه باستيراد نفط أرخص من أوبك، وهذا ينطبق على البدائل غير التقليدية الأخرى للنفط والغاز كافة، أما الهدف الثاني والأبعد فيتمثل في أن الدول ذات الاحتياطات الكبيرة من النفط تهتم بنظرة مستقبلية طويلة الأجل تمكنها من بيع نفطها وتحقيق إيرادات متوازنة ومستدامة أطول فترة ممكنة، وذلك بعكس الدول ذات الاحتياطات النفطية القليلة التي تحاول أن تحقق أعلى الإيرادات من أقل الكميات.

ولكن كل هذه التحليلات لا تلغي البعد السياسي والحاجة إلى تعويض النقص المتوقع من خروج مليون برميل من النفط من السوق العالمية للطاقة، بحلول الأول من يوليو المقبل موعد فرض المقاطعة الأوروبية لصادرات النفط الإيرانية.

كما أنها لا تلغي المردود الإيجابي لانخفاض أسعار النفط على مستويات التضخم العالمية فقد انخفض مستوى التضخم في منطقة اليورو في مايو إلى مستوى لم يصله منذ 15 شهراً.

وبالطبع فإن دولاً مستوردة لكل شيء تقريباً مثل دول أوبك هي أيضاً مستفيدة من انخفاض معدلات التضخم في الدول الصناعية، لأن ذلك ينعكس إيجاباً على وارداتها ويقلل من حاجتها للعملات الأجنبية ويخفض من كلفة أسعار الصرف، ما ينعكس بدوره بشكل إيجابي أيضاً على رفاه المواطنين في الدول المستوردة. ب

ل إن هذا الأثر الإيجابي غير المباشر على المواطنين في الدول المصدرة للنفط هو من وجهة نظري خير من أموال تقع في يد الحكومات بشكل مباشر ويتم التحكم بتوزيعها أو تخصيصها من خلال أقلية حاكمة أو حزب مهيمن وفق أولويات قد لا ترضي جميع المواطنين.