السبت، 16 يونيو 2012

الصناديق السيادية العالمية والخليجية


16/6/2012


تشير أحدث التقارير الدولية إلى أن موجودات صناديق الثروة السيادية في العالم تتجاوز 5.2 ترليون دولار، وتصدر جهاز أبو ظبي للاستثمار "أديا" قائمة أكبر الصناديق السيادية إذ وصل حجمه إلى 627 مليار دولار. وحل صندوق التقاعد الحكومي النرويجي ثانياً بموجودات بلغت 611 مليار دولار، فيما جاء ترتيب صندوق الاحتياط الروسي في المركز العاشر بـ150 مليار دولار. وتظهر البيانات الحديثة أن حجم الصناديق السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي يصل إلى 1.7 ترليون دولار، أي أكثر من ثلث حجم الصناديق العالمية، وتتوقع دراسات مختلفة زيادة ثروات الصناديق إلى نحو 13 ترليون دولار حتى العام 2020، ما يعني زيادة أهميتها في الاقتصاد العالمي ورسم خريطة الاستثمارات، وحركة رؤوس الأموال.
ماهي الصناديق السيادية
يبلغ عدد الصناديق السيادية في العالم حالياً أكثر من 650 صندوقاً، ويعود تاريخ تأسيس أول صندوق سيادي إلى العام 1953 في الكويت. وتقدم الحكومات على تأسيس صناديق لتوفير، أو استثمار، فوائضها المالية، ولعبت هذه الصناديق دوراً كبيراً في التخفيف من آثار الأزمات الاقتصادية في بلدانها في الدرجة الأولى عبر ضخ استثمارات في مشروعات البنية الأساسية، ودعم الموازنات، ومنع أسواق المال المحلية من الانهيار بعد أن عوضت الاستثمارات الأجنبية التي تهاجر نتيجة الأزمات أو الحصول على فرص أفضل في بلدان أخرى. كما ساعدت في التخفيف من الآثار العالمية للأزمة بضخ استثمارات في سندات البلدان الأخرى التي تأثرت جراء الأزمات، وبرز دور الصناديق السيادية واضحاً في إيجاد حلول للأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2007.
ويلاحظ ازدياد توجه البلدان الناشئة نحو إنشاء صناديق سيادية إذ بلغ حجمها نحو 3.7 أي ما يعادل ثلاثة أرباع حجم الصناديق عالمياً، ويختلف مصدر الوفرة بين بلد وآخر ففي البلدان الخليجية وروسيا يعدّ النفط المصدر الرئيس لزيادة حجم الصناديق. أما الصين فقد رفعت موجودات صناديقها من الفوائض التجارية إثر النهضة الصناعية الكبيرة فيها. وغالبا ما تتوجه الصناديق السيادية إلى الاستثمار في سندات الخزينة الأمريكية وغيرها من السندات الحكومية تجنبا للخسارة رغم قلة مردودها. وبدأت معظم الصناديق تبحث جدياً في زيادة استثماراتها الداخلية، والتخفيف من الاستثمار في أسواق المال إثر التذبذب والخسائر الكبيرة في السنوات الأخيرة. وفي هذا المجال لابد من ذكر التجربة الصينية الجديدة المتمثلة  في طرح 500 مليار دولار من صناديقها السيادية للشركات الصغيرة والمتوسطة الأوروبية الراغبة بالاستثمار في الصين. وتزداد شهية الصناديق على الاستثمار في مجالات مختلفة ومتنوعة تتسع من الاستثمار في أسواق المال والسندات مرورا بالعقارات، وصولا إلى شركات الطاقة، والمصارف، والمؤسسات الصناعية الكبرى. وتزداد أهمية الصناديق في ظل الأزمات وعزوف المصارف عن الإقراض، أو رفع نسبة الفائدة.
 توجهات جديدة في إدارة صناديق الثروة السيادية الخليجية
وإذا كانت الكويت سباقة إلى إنشاء صناديق سيادية، فإن صندوق أبو ظبي يتربع على قائمة أغنى الصناديق في العالم. كما تضم قائمة أكبر 20 صندوقاً على المستوى العالمي أربعة صناديق من الإمارات وحدها. وتحتل الصناديق الخليجية مراكز متقدمة، ويشير معهد دراسة صناديق الثروة السيادية إلى أن السعودية استطاعت، رغم حداثة عهدها في هذا الاطار، الانتقال إلى المركز الرابع عالميا إذ وصلت موجودات صندوق "سما" إلى نحو 533 مليار دولار.
وتهدف هذه البلدان إلى حماية اقتصاداتها من تذبذب أسعار النفط، ودعم موازاتها حتى لا يتأثر الإنفاق في حال تراجع أسعار الطاقة.
وتكبدت الصناديق السيادية الخليجية خسارات وصلت، حسب مجلة "إيكونوميست" إلى 400 مليار دولار في العام 2008 جراء الأزمة المالية، رغم اتباعها سياسة غير مغامرة في اختيار استثماراتها.
وفيما يبدو استفادة من التجربة، ورغبة في تطوير أداء عمل الصناديق الخليجية تشير بيانات جديدة إلى أن الصناديق غيرت أساليب عملها، وأصبحت تتجه بقوة إلى الاستثمار في الأسواق الداخلية، والشرقية والتخفيف من استثمار موجوداتها في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما بدا واضحاً في ضخ السعودية نحو 500 مليار دولار في مشروعات البنية التحتية والتعليم والصحة. ومع أنه لا يمكن إغفال الخوف من انتقال عدوى الاحتجاجات السياسية إلى المملكة ودول الخليج الأخرى، فإن مجرد التوجه إلى الاستثمار الداخلي بهذه الكثافة في القطاعات غير النفطية يعدّ تطورا مهماً يساعد في بناء اقتصادات لا تعتمد بالمطلق على أسعار النفط في الأسواق العالمية. ويمكن أن تنهار بعد نضوبه أو تراجع إنتاجه. كما تسعى الصناديق الخليجية إلى اقتناص صفقات في الأسواق العالمية تنوع حقيبة استثماراتها، وربما يساعدها تراجع شهية المستثمرين في الاقتصادات المتطورة، والأزمة المالية التي تشهدها كبريات المصارف العالمية.
الصناديق السيادية بين السياسة والاقتصاد
يكمن الهدف الرئيس من إنشاء الصناديق السيادية في توفير مدخرات للأجيال المقبلة وتنميتها، والتقليل من آثار الأزمات الاقتصادية على الاقتصادات المحلية، ومعالجة العجز في الموازنة العامة، ومن أجل الوصول إلى هذه الغايات باشر القائمون على هذه الصناديق بدراسة أفضل السبل لذلك، وبدأت عمليات البحث عن استثمارات في الداخل والخارج.
 وتكيل البلدان الغربية الاتهامات إلى الصناديق السيادية بأنها تسعى لأهداف سياسية، رغم إقرارها  بالحاجة الكبيرة لهذه الأموال في ظل ظروف الأزمة، وبدورها في تجنب كوارث اقتصادية. وتؤكد دراسات بحثية، بعد تحليل 900  صفقة وعملية للصناديق حول العالم، أن الأهداف اقتصادية واستثمارية بحتة. كما تواجه هذه الصناديق تعقيدات في حال قررت الدخول في قطاعات اقتصادية مهمة وخير مثال مصير صفقة دبي للموانئ في الولايات المتحدة، وغيرها، ولعل الأنكى والأمر أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا على الصين التي تستثمر أكثر من 1.5 ترليون دولار في سندات الخزينة الأمريكية، ولولا هذا لانهار الاقتصاد الأمريكي برمته، كما تتهم بلدان أوروبية روسيا بالسعي إلى السيطرة على أوروبا وقطاع الطاقة فيها عبر ضخ مليارات الدولارات.
وعند الحديث عن السياسة والاقتصاد في استثمارات الصناديق السيادية لا بد من التوقف عند العلاقات بين الدول وضخ الاستثمارات فهي لعبت وتلعب دورا كبيرا، لكنه ليس حاسما دوماً، خصوصا في ظل توجهات بتبني معايير الشفافية والوضوح في الاستثمارات وزيادة مراقبة البرلمانات والمؤسسات الدولية على عمل هذه الصناديق وتوع استثماراتها.
الصناديق السيادية الخليجية والربيع العربي
تفتح التغيرات الحاصلة في البلدان العربية آفاقا كبيرة للاستثمار في هذه الاقتصادات، لأن التحول سوف يفضي عاجلا أم آجلا إلى صعود أنظمة ديمقراطية تنهي فترة الحكم الشمولي، والحكم الدكتاتوري المدعوم بطبقة من رجال الأعمال المتنفذين، وآخرين برزوا في ظل نظام الفساد والمحسوبية. ويمكن لصناديق السيادة الخليجية أن تلعب دوراً مهماً على عدة صعد. فمن ناحية يمكن أن تستفيد من خلال الاستثمار في البلدان العربية التي تمتاز بوجود أسس لعدد من الصناعات التحويلية والثقيلة مثل وجود المواد الأولية، والأسواق الكبيرة، واليد العاملة الرخيصة والماهرة، ويمكن أن تجني مكاسب للطرفين. كما تستطيع الصناديق الخليجية التخلص من التمييز ضدها في أوروبا والولايات المتحدة التي ترى في قبول الاستثمارات العربية "منة" رغم أنها حاجة لها في المقام الأول. وأخيرا فإن زيادة الاستثمارات العربية - العربية تسهم في بناء فضاء اقتصادي تنعم فيه شعوب الوطن العربي بالرخاء، ويكون نواة لتأسيس فضاء سياسي موحد، يعزز من مكانة المنطقة في ظل العولمة واتجاه إلى تشكيل تكتلات إقليمية ودولية مازال العرب بعيدين عنها.
سامر الياس

الجمعة، 15 يونيو 2012

عاصفة الديون السيادية:


السياسة الدولية
اليونان.. أولى ضحايا "اللانظام" العالمي في القارة الأوروبية
خلال أقل من عامين، تحولت مشكل الديون السيادية اليونانية إلى أزمة حادة، تكاد تعصف بالنظام الاقتصادي والسياسي لهذه الدولة، وتثير مخاوف متصاعدة حول مستقبل العملة الأوروبية الموحدة، واستمرار مشروع الوحدة الأوروبية ذاته، كما تمتد تداعياتها لتهدد باندلاع أزمة مالية عالمية جديدة، قد تفوق في قسوتها أزمة عام 2008.
تعكس هذه التطورات ملامح أساسية في النظام السياسي والاقتصادي العالمي في المرحلة الحالية، والذي وصفه محللون مثل إيان بريمر بنظام (G-Zero)، أي اللا قطبية، كما وصفه آخرون مثل تيموثى آش "باللا نظام" العالمى الجديد (New World Disorder). فبعد تراجع قدرة الولايات المتحدة على بسط هيمنتها سياسيا واقتصاديا، ظهرت قوى متعددة ومختلفة الرؤى على الساحة، تسعى كل منها لتحقيق مصالحها القومية وحل مشاكلها الداخلية، بينما تعجز عن، أو ترفض، لعب موقف قيادي على المستوى الدولي.
انعكس هذا الانقسام على عمل كل الهيئات الدولية متعددة الأطراف، وأصبح هناك غياب واضح لإرادة التعاون الجماعي على المستوى الدولي. تجلى ذلك في فشل المفاوضات المتعلقة بأزمة تغير المناخ، ومفاوضات جولة الدوحة وغيرها، وفي التراجع السريع للتعاون من خلال مجموعة العشرين بعد الأزمة المالية لعام 2008.
نظام اقتصادي منقسم
وعلى المستوى الاقتصادي، فقد انقسم الاقتصاد العالمي واقعيا إلى اقتصادين: اقتصاد يضم الدول المتقدمة (الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان)، والذي يعاني مستويات عالية من الدين الحكومى، ارتفعت نسبتها إلى إجمالي الناتج القومي في هذه الدول مجتمعة من 46% عام 2007، إلى 70% عام 2011، ومن المنتظر أن تصل إلى 80% عام 2016، كما يعاني أيضا من تراجع في النمو والإسهام في إجمالى الناتج العالمى، حيث كان نصيب الولايات المتحدة أكبر اقتصادات العالم، على سبيل المثال، 8% فقط من الزيادة التي حدثت في الناتج العالمي بين عامى 2007 و2011.
أما الاقتصاد الثانى، فيضم دول الاقتصادات الصاعدة، وعلى رأسها الصين، والتي أسهمت مجتمعة بنسبة 66% من زيادة إجمالى الناتج العالمى بين عامى 2007 و2011، ولم تتجاوز نسبة دينها الحكومي إلى الناتج القومي 28% عام 2007، انخفضت إلى 26% في 2011، ومن المنتظر أن تنخفض إلى 21% بحلول عام 2016.
يفسر المحللون هذا الانقسام بأن النموذج الرأسمالي الغربي، الذي صنع موجة الرخاء الاقتصادي بين عامي 1980 و2008، قد تحطم، حيث إن قدرته على إنتاج وبيع السلع والخدمات قد تجاوزت بمراحل قدرة المستهلكين على الاقتراض والإنفاق، وهو بذلك عاجز عن تحقيق النمو، وتوفير فرص العمل وتحقيق مستويات معقولة من الدخل لمواطنيه.
تتجسد هذه الانقسامات السياسية والاقتصادية بشكل واضح في الواقع الأوروبي. فالاقتصادات الأوروبية أيضا انقسمت إلى فريقين، فريق يتمتع بقوة مالية واقتصادية، وعلى رأسه ألمانيا، أما الفريق الأخر فيعاني مشكلات الديون وتباطؤ النمو، وارتفاع معدلات البطالة وغيرها من المشاكل.وبالرغم من قوة ألمانيا اقتصاديا، فإنها تعزف عن لعب دور الدولة "القائدة" للمشروع الأوروبي، وتعكس مواقفها من الأزمة اليونانية رفضها لتحمل التبعات الاقتصادية للحفاظ على وحدة اليورو والاتحاد الأوروبي.
غياب الإرادة السياسية
وهناك ما يشبه الإجماع بين المحللين على أن تفاقم الأزمة اليونانية جاء لأسباب سياسية في الأساس. فقد أوضح عالم الاقتصاد جوزيف ستيجلتز، على سبيل المثال، فإن الاقتصاد الأوروبي، الذي يبلغ حجمه 16 ألف مليار دولار، يستطيع استيعاب عبء الدين اليونانى بأكمله، إذا توافرت الإرادة السياسية، ويمكن أن يتحقق ذلك عن طريق سندات يطرحها البنك المركزى الأوروبى، مدعومة من كل الحكومات الأوروبية، توفر دعما ماليا لليونان بفوائد منخفضة، تمكنها من التعامل مع مشكلة الديون بشكل أكثر عملية وأقل تكلفة على المستوى الاجتماعي والسياسي.
لكن حكومات الدول الأوروبية الأكثر ثراء ليست مستعدة لتقديم مثل هذا الدعم الواضح، والذي يلاقى معارضة شعبية على المستوى الداخلي، في ظل تزايد الإحساس "بعدم الثقة" في المؤسسات الأوروبية لدى العديد من الشعوب، خاصة ألمانيا، ورفض هذه الشعوب تحمل التبعات المالية لدعمها. لذلك أصرت حكومات هذه الدول على أن تتخذ الحكومة اليونانية إجراءات تقشفية حادة، أدت إلى تراجع في النمو الاقتصادي، وبالتالي تناقص دخل الدولة، وتراجع قدرتها على الوفاء بمتطلبات الدين.كما كان لهذه الإجراءات تداعيات اجتماعية شديدة، أدت إلى تصاعد الغضب الشعبى، واندلاع الإضرابات والمظاهرات التي تهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي.والمفارقة أن تصاعد الأزمة اليونانية سوف تكون تكلفته الاقتصادية على أوروبا والعالم أكبر بكثير مما لو كانت الدول الأوروبية قد قدمت الدعم المالي المناسب في الوقت المناسب.
 لقد أصبح واضحا أن اليونان لن تستطيع الوفاء بالتزامات الدين في الوضع الحالي، وأنها سوف تضطر لإعلان ذلك، أى إعلان إفلاسها، وبالتالى قد تنسحب من اليورو، وتعيد إصدار عملتها المحلية، لكى تستعيد القدرة على إصدار النقود وإنقاذ اقتصادها من الانهيار الكامل. وسوف تتكبد اليونان خسائر في ذلك، قدرها تقرير لبنكUBSبنحو50% من إجمالي ناتجها القومي في العام الأول، ناهيك عن التداعيات على المصارف اليونانية والأوروبية، التي سوف تتكبد خسائر، نتيجة انهيار قيمة ما تملكه من سندات حكومية يونانية. وسوف يمتد آثار ذلك الانهيار إلى شبكة المصارف العالمية، التي لها معاملات مع هذه البنوك، بما يصاحبه من خطر اندلاع أزمة سيولة على مستوى الجهاز المصرفي عالميا.
من ناحية أخرى، سوف يثير تراجع اليونان عن سداد ديونها المخاوف بشأن قدرة اقتصادات أكبر، مثل إيطاليا وإسبانيا، على الوفاء بالتزامات ديونها السيادية أيضا. وقد أدت هذه المخاوف بالفعل إلى إعادة تصنيف الموقف الائتمانى لإيطاليا، مما يرفع من سعر الفائدة الذي تستطيع الاقتراض به من القطاع الخاص.
 وتشير تقديرات صندوق النقد الدولى إلى أن إيطاليا ستحتاج خلال عام 2012 إلى اقتراض مبالغ توازى ربع إجمالى ناتجها القومى لمواجهة أعباء ديونها، وأن إسبانيا وفرنسا ستضطر كل منهما إلى اقتراض مبالغ توازى خمس إجمالي ناتجهما القوميين في العام نفسه. وسيؤدى ذلك كله إلى المزيد من الانقسام بين دول الاتحاد الأوروبى، وإلى احتمال خروج عدة دول من الوحدة النقدية الأوروبية. ولأن اليورو كان بالأساس مشروعا سياسيا يهدف إلى دعم الوحدة الأوروبية، فسوف يكون لكل ذلك تداعيات سلبية على المشروع الأوروبي كله.
الصين و"مصيدة الدولار"
يتكرر نموذج غياب القيادة على مستوى النظام الدولى ككل، حيث تبدو الصين أيضا عازفة عن التدخل لتفادى تفاقم الأزمة، رغم أن لها مصلحة اقتصادية في دعم اليورو. فاستمرار اليورو كعملة قوية في الاقتصاد العالمي يشكل مخرجا لها من "مصيدة الدولار"، الذي يقدر المحللون أنه يشكل نحو ثلث فوائض الصين من النقد الأجنبى.من ناحية أخرى، فالاتحاد الأوروبى هو ثانى أكبر شريك تجارى للصين، وسوف تؤثر تداعيات الأزمة الأوروبية بلا شك سلبيا في المصالح التجارية الصينية.
يأتى الموقف الصينى، بحسب ياو يانج مدير مركز الصين للبحوث الاقتصادية بجامعة بكين، بناء على رؤية مفادها أن الأزمة اليونانية لم تنتج عن مشكلة سيولة، ولكن عن غياب الإرادة السياسية الأوروبية في تحمل الأعباء اللازمة لتجاوزها.
وترى الصين أن على الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا، تنحية مصالحها الضيقة جانبا، وتغليب المصلحة الأوروبية العامة، قبل أن تطلب الدعم من خارج أوروبا. من ناحية أخرى، تدرك الصين أن الاستثمار في السندات الحكومية اليونانية أو الإيطالية قد أصبح محفوفا بالمخاطر، ولن تقبل عليه إلا إذا حصلت على ضمانات قوية من ألمانيا وفرنسا، وهو ما لا يبدو أن الدولتين على استعداد لتقديمه.
وما بين فشل النموذج الاقتصادي في تحقيق النمو، وتراخى الدول الأوروبية الغنية عن اتخاذ إجراءات حاسمة لتقديم الدعم المالى للدول الأقل حظا، أصبحت أوروبا بين شقى الرحى: الكساد والبطالة والديون من ناحية، وتهديد المؤسسات المالية برفع أسعار الفائدة على القروض وانهيار البورصات من ناحية أخرى.
يعكس التأثير المتصاعد لأسواق المال على القرار السياسى للحكومات الغربية أحد ملامح النظام الرأسمالي العالمي الذي تتحرك فيه التريليونات من الدولارات عبر الحدود دون رقيب أو حسيب، مخلفة آثارا تدميرية. لقد أصبح ضغط المؤسسات المالية هو الحافز الأكبر لتحرك الحكومات، فقد سارع البنك المركزى الأوروبى بالتعهد بمساندة البنوك المتضررة من أزمات الديون السيادية في أوروبا، رغم تقاعسه عن تقديم الدعم للآلاف من المواطنين الأوروبيين الذين تضرروا بشدة من الإجراءات التقشفية المفروضة عليهم.
لقد ارتفعت أصوات المحللين والسياسيين في أوروبا والولايات المتحدة، داعين قادة أوروبا لأخذ مواقف إيجابية تعيد "الثقة" إلى أسواق المال، حيث إن أزمة الثقة هذه قد تدفع البنوك إلى التوقف عن تقديم القروض، وتدعم الاتجاه إلى نقل المدخرات باليورو من الدول "الضعيفة" إلى الدول "القوية"، مما سوف يكون له تداعيات شديدة السلبية.
شبح " الكساد الكبير"
يشكل الاقتصاد الأوروبي ككل كتلة اقتصادية أكبر من الاقتصاد الأمريكي أو الصيني، وسوف يكون لاندلاع أزمة مصرفية، بما لها من تداعيات اقتصادية، أثر كبير على الاقتصاد العالمى برمته، مما سيدفع الكثير من الدول إلى اتخاذ إجراءات لحماية عملاتها واقتصادها، مما يهدد بانهيار النظام التجارى العالمى.
وقد اتخذت اليابان وسويسرا إجراءات لحماية أسعار عملتيهما بالفعل. كما بدأت البرازيل في اتخاذ إجراءات لحماية صناعتها الوطنية عن طريق فرص رسوم إغراق على الواردات من دول أخرى مثل الصين. وتبدو الولايات المتحدة أيضا عازمة على الاتجاه في الطريق نفسه.
تثير هذه الإجراءات مخاوف المحللين من تكرار أخطاء الثلاثينيات من القرن الماضى، حيث تسببت الإجراءات الحمائية بعد الأزمة المالية لعام 1929 في تراجع معدلات التجارة العالمية، وفي سقوط العالم في براثن "الكساد الكبير".لهذا السبب، تتعالى تحذيرات الساسة والاقتصاديين من مختلف أنحاء العالم بأن غياب القيادة السياسية الفعالة يدفع العالم إلى حافة الهاوية، كما ينادون بضرورة تغليب المصلحة العامة وعودة التنسيق السياسى الفعال على المستوى الدولى.
وعلى سبيل المثال، نبه جوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا السابق، إلى أن الطريق نحو تحقيق النمو والقضاء على البطالة لن يكون من خلال مبادرات فردية من كل دولة على حدة، بل من خلال تنسيق السياسات على المستوى الدولى، حيث إن للجميع مصلحة مشتركة في ذلك.
ويقول براون "منذ عشر سنوات، كانت قاطرة الاقتصاد الأمريكى قادرة على قيادة الاقتصاد الدولى. وبعد عشر سنوات من الآن، سوف تلعب الاقتصادات الصاعدة هذا الدور. ولكن في الوقت الحالي، فإن الولايات المتحدة وأوروبا عاجزتان عن زيادة الإنفاق الاستهلاكى، بدون زيادة الصادرات، بينما الصين والاقتصادات الصاعدة الأخرى لن تستطيع بسهولة زيادة معدلات الإنتاج أو الاستهلاك بدون ضمان أسواق غربية قوية".
عقب اندلاع الأزمة المالية العالمية، تصدر غلاف مجلة فورين بوليسى الأمريكية (عدد مارس/أبريل 2009)، عنوان يتنبأ بحلول عصر جديد من "الاضطرابات العظيمة" نتيجة لتراجع الهيمنة الأمريكية من ناحية وعدم استقرار الاقتصاد العالمى من ناحية أخرى. استعرض الملف عدة دول مرشحة للوقوع في مثل هذه الاضطرابات، لكنها لم تتضمن أى دولة من العالم "المتقدم". واليوم، تبدو اليونان، نتيجة للانقسامات العميقة التي يعانيها النظام الدولي، وغياب التعاون الدولي الرشيد في مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية، مرشحة لأن تكون أول دولة تنضم إلى قائمة الدول "الفاشلة" بسبب إنعدام سيطرتها على مقدراتها المالية والاقتصادية. وسوف تكون بذلك أيضا أولى ضحايا "اللانظام" العالمى الجديد.

اقتصاديات الفقر‮: إعادة نظر جذرية في كيفية مكافحة الفقر في العالم



اقتصاديات الفقر:

إعادة نظر جذرية في كيفية مكافحة الفقر في العالم

عرض: رانيا مرزوق- باحثة متخصصة في  الشئون الاقتصادية



Abhijit Banerjee, Esther DufloPoor Economics: A Radical Rethinking of the Way to Fight Global Poverty-U.S: Public Affairs, 2011


يعد الفقر ظاهرة قديمة جدا، وآفة اجتماعية خطيرة شهدتها البشرية عبر العصور، وهي معقدة وذات جوانب متعددة: اقتصادية، وسياسية، ثقافية، وبيئية. وفي " أحدث تقارير البنك الدولي عن الفقر في العالم، الصادر في 29 فبراير 2012، والتي تفيد بتراجع معدلات الفقر المدقع في العالم، وأنه لا يزال هناك الكثير من العمل، تشير تقديرات البنك إلى أن عدد من يعيشون علي أقل من 1.25 دولار للفرد في اليوم بلغ نحو 1.29مليار شخص في عام  2008، وهو ما يعادل 22 في المائة من سكان العالم النامي.
يقدم كتاب " اقتصاديات الفقر: إعادة نظر جذرية في كيفية مكافحة الفقر في العالم" ، منهجا مختلفا للتعامل مع قضية الفقر الذي أمضي مؤلفاه أكثر من خمسة عشر عاما في التعامل مع الفقراء في عشرات البلدان وعبر القارات الخمس، في محاولة لفهم المشاكل المحددة التي تأتي مع الفقر، وإيجاد الحلول العملية لها.

سوء التغذية والصحة وعلاقتهما بالفقر:
بداية، يؤكد المؤلفان أنه "ليس بسبب أنهم لا يأكلون ما يكفيهم، يبقي الفقراء فقراء"، وهذا علي عكس الفكرة السائدة في البلدان المتقدمة، وكذلك لدي النخب في البلدان الفقيرة نفسها، وذلك علي خلفية القول إن من لا يجد ما يأكله حتي الشبع، لا يمكنه أن يعمل، وبالتالي محكوم عليه أن يبقي فقيرا، وذلك من خلال طرح أسئلة، من نوع: لماذا رجل في المغرب الذي لا يملك ما يكفي من الطعام يذهب لشراء جهاز تليفزيون؟، لماذا أشد الناس فقرا في ولاية ماهاراشترا الهندية ينفق 7 في المائة من ميزانية غذائه علي السكر؟.
وفي هذا السياق، أكد المؤلفان أن تخفيض أسعار المواد الأساسية لا يشكل ضمانا بأن الناس سيتوجهون أكثر لشرائها. وينبغي الانتباه إلى أن السياسات الهادفة إلى تغذية حقيقية للفقراء تؤثر بشكل مباشر في العوائد الاقتصادية لارتباطها بقوة وقدرة الموارد البشرية علي العمل ومن ثم الإنتاج.
ويريان أن هناك علاقة بين قضية الفقر وتدهور الصحة. ففي كل عام، يموت تسعة ملايين طفل في سن أقل من الخمسة عشر عاما، بسبب بعض الأمراض مثل الإسهال والملاريا، وذلك علي الرغم من سهولة الوقاية والعلاج من هذه الأمراض عن طريق اتباع بعض الإرشادات البسيطة. ومن شأن إهمال هذه الأمور تحول تلك الأمراض إلى أمراض مزمنة، تحتاج لأموال طائلة لعلاجها. ويمكن تفسير هذا الإهمال أو القصور في عدم الأخذ بأساليب وطرق الوقاية، بالإضافة إلى اعتماد الفقراء علي توصيل تلك الخدمات الصحية إليهم، دون الاهتمام بالسعي إليها أو البحث عنها، ونقص المعلومات وانخفاض مستوى الوعي، فضلا عن ثقافة هؤلاء الفقراء تجاه أهمية الوقاية والعلاج. لذا يؤكدان أن الحملات الصحية الموجهة للفقراء لابد أن تراعي الأبعاد الثقافية، وأن تتضمن ما من شأنه زيادة الوعي والإدراك، ولكن بلغة هؤلاء الفقراء. فإذا كان توفير الأمصال واللقاحات هو شرطا ضروريا لتحسين المستوى الصحي، فإنه يظل في الوقت ذاته غير كاف.

ارتباط الفقر بالسياسات التعليمية والسكانية:
وعن سياسات التعليم في البلدان الفقيرة، يشير المؤلفان إلى أن السياسات الغالبة في البلدان المعنية تميل إلى فتح المدارس لجميع الأطفال إجباريا. وهذا أمر جيد، كما يقولان، لكنهما يضيفان أن هناك تناقصا في عدد الأطفال الذين يعرفون القراءة والكتابة، وذلك بسب تغيب الطلاب والمدرسين. ويبحث المؤلفان في معرفة أسباب ذلك من خلال تحليل جانب العرض الذي تسعي الحكومة لزيادته، من خلال توفير أفضل الكتب المدرسية، وأفضل المعلمين، وإنشاء أفضل الأبنية التعليمية وغيرها، وجانب الطلب الذي يمثله أولياء الأمور الذين يسعون إلى تحسين المستوى التعليمي الذي يحقق توقعاتهم المتمثلة في مدي توافر فرص وظيفية جيدة، يمكن لأبنائهم الحصول عليها، وبالتالي اتخاذ القرار بشأن تعليم أبنائهم أو عدمه.
وخلص المؤلفان هنا إلى أن ضعف محصلة التعليم تعود إلى جانبي العرض والطلب، وأن إمكانية التغلب عليها تكمن في كيفية تعليم الأطفال، وتنويع مخرجات المنظومة التعليمية، ومراعاتها لمتطلبات سوق العمل.
ويريان أنه علي الرغم من سعي صانعي السياسات لجعل السياسات السكانية جزءا أساسيا من أي برنامج إنمائي، فإن هذه السياسات وآليات تنفيذها، مثل وسائل منع الحمل، ليست هي السبيل الوحيد لتخفيض معدلات المواليد لدي الفقراء. حيث فسر المؤلفان فشل هذه السياسات بأنها تعتمد في تنفيذها علي الوسائل الطبية والعلمية التي تؤدي لخفض معدل المواليد، دون الأخذ في الحسبان الأعراف الاجتماعية، واتجاهات الأسر، أو الاعتبارات الاقتصادية، والتي تلعب دورا رئيسيا في تحديد الأسر لعدد أطفالها التي ترغب في إنجابهم، وهي تشكل المنطقة المجهولة التي يجب علي صانعي السياسات استكشافها.

مخاطر الكوارث والقروض الصغيرة:
يرصد المؤلفان أسباب اتجاه الفقراء إلى اتخاذ قرارات ذات عوائد اقتصادية محدودة، حيث يتجه الفقراء لزراعة المحاصيل ذات الربحية المحدودة، لأنها الأقل مخاطرة، الأمر الذي من شأنه دفعهم للازدياد فقرا، في ظل الارتفاع العالمي لمستويات الأسعار، وذلك يرجع لضعف قدراتهم وإمكانياتهم لمواجهة المخاطر الناجمة عن الحوادث أو الأزمات. ويوضحان كيفية تحول القروض الصغيرة التي كانت تشكل بارقة الأمل للقضاء علي الفقر إلى سبب رئيسي للقضاء علي الفقراء.

فعلي الرغم من سعيها إلى توفير قروض للفقراء بأسعار فائدة معقولة، فإن الجهود الحكومية في هذا الشأن كان مصيرها الفشل، وهذا يرجع لتعثر المقترضين الصغار، ووضعهم أمام تحديات جديدة تضاف لتحديهم الأساسي وهو الفقر. فأكد المؤلفان الحاجة لوضع سياسات داعمة للمشروعات الصغيرة تدعم وجودها وبقاءها إلى جانب المشروعات العملاقة. كذلك، يريان أن تلك المشروعات الصغيرة تلعب دورا مهما في تحسين الظروف المعيشية للفقراء. ولكن في حقيقة الأمر، يجب أن ينتبه المعنيون بتحسين أحوال الفقراء إلى أن تلك المشروعات لا تمثل سبيلا للخروج الجماعي من مصيدة الفقر.

وختاما، يؤكد المؤلفان أن المساعي التي تهدف إلى بناء عالم خال من الفقر لابد أن تستند إلى سياسات وخطط وآليات للتنفيذ، تقوم علي أساس قراءة وتحليل لواقع الفقراء، وما يعيشه ويواجهه هؤلاء الفقراء في حياتهم. وهنا، تبرز أهمية الحاجة لتفعيل دور النظم المحلية التي ستمهد الطريق لثورة هادئة علي النظم المركزية التي صنعت سياساتها، في معزل عن المستهدفين من الفقراء.

خلق عالم خال من الفقر، محمد يونس



ماذا لو كنت تقدر على تسخير قوة السوق الحرة من أجل حل مشاكل الفقر والجوع وعدم المساواة؟ قد يبدو هذا للبعض مستحيلا. إلا أن هذا ما استطاع فعله بالضبط محمد يونس, الحاصل على جائزة نوبل للسلام ومؤسس بنك جرامين، فقد تزعم محمد يونس فكرة القروض المتناهية الصغر، وهو برنامج الخدمات المصرفية المبتكرة التي توفر للفقراء — معظمهم من النساء – قروضا متناهية الصغر مما يمكنهم من استخدامها للبدأ بأعمال تجارية وانتشال أسرهم من براثن الفقر.
انتشرت الفكرة تباعا وعلى مر الثلاثين سنة الماضية في أرجاء العالم، واستفادت منها أكثر من 100 مليون أسرة , إلا أن محمد يونس لم يكن راضياً بذلك فهو يؤمن بأنه يمكن عمل المزيد والمزيد إذا طبقنا ديناميكية الرأسمالية على أكبر تحديات البشرية.
الآن، ومن أجل السعي لخلق عالم خال من الفقر، يطور محمد يونس الفكرة – بعيدا عن القروض المتناهية في الصغر- لمعنى آخر هو الأعمال الاجتماعية و هذه طريقة جديدة تماما لاستخدام حيوية العمل الخلاقة سعيا لمعالجة المشاكل الاجتماعية من الفقر والتلوث مروراً بعدم كفاية الرعاية الصحية ونقص التعليم.
هذا الكتاب يصف كيف أوجد محمد يونس أول منظومة هادفة للأعمال الاجتماعية بالتعاون مع بعض قادة الأعمال الأكثر إطلاعا في العالم. فقد تعاون مع شركة دانون Danone لتصنيع منتجات ألبان مغذية بأسعار معقولة للأطفال الذين يعانون سوء التغذية في بنغلاديش، وكذلك لبناء مستشفيات للعيون من شأنها أن تنقذ الآلاف من الفقراء من خطر العمى. إن خلق عالم خال من الفقر يقدم لمحة عن توقعات محمد يونس لمستقبل مذهل لكوكب تطوره آلاف الشركات الاجتماعية. الحاصل أن الفكرة الكبيرة المقبلة لمحمد يونس تقدم نموذجا رائدا لشكل جديد أكثر إنسانية من الرأسمالية.
في هذا الصدد يقول جيمي كارتر الرئيس الأمريكي السابق ” لقد أعطى الدكتور محمد يونس الفقراء الأمن بمعناه الأكثر شمولاً من خلال منحهم القدرة على مساعدة أنفسهم، وليس فقط تقديم طبق من الطعام إليهم”.
وتنقل جريدة لوس أنجلوس تايمز قولها “محمد يونس هو البصيرة العملية الذي تحسنت بسببه حياة الملايين من الناس في وطنه بنغلاديش وفي أماكن أخرى في العالم”
“لقد كان بالفعل لدي أفكار محمد يونس عظيم التأثير على العالم الثالث،­ و الاستماع إلى ندائه عن ‘عالم خال من الفقر’ كان حقاً مثيراً دعاوى نجاح النظم الأمريكية التلقائية “
واشنطن بوست.

ملخص المؤلف

في حين أن رأسمالية السوق الحرة والمزدهرة عالميا تحقق للعديد من الناس رخاء غير مسبوق , إلا أن نصف سكان العالم يعيشون على دولارين في اليوم أو أقل من ذلك بكثير.
فلا يزال القضاء على الفقر يشكل أكبر تحد ماثل أمام العالم. ولا يزال يصم وجوهنا بالعار كل يوم هذا المشهد من المشاكل الاجتماعية المتجذرة والحرمان المتعلقة بالفقر وسوء التوزيع للثروات.
ومن الواضح أن مفهوم السوق الحرة قد فشل في كثير من أنحاء العالم. فالعديد من الناس يفترض إنه إذا لم تقدر الأسواق الحرة على حل مشاكل المجتمع, فعلى الحكومات أن تفعل ذلك. فالمفترض أن الحكومة تمثل مصالح المجتمع ككل, لكن تجارب البشر على مر عقود وقرون أثبتت أن الحكومات وحدها غير قادرة على حل أسوأ مشاكلنا.
ولحسن حظنا إن هناك رغبة حريصة لدى العديد من الناس لمد يد العون لمعالجة مشاكل الفقر والمشاكل الاجتماعية الأخرى من خلال مؤسسات خيرية. فالنزعة لعمل الخير متجذرة في نفس الإنسان تجاه غيره من البشر.
مثل هذا الاهتمام يعبر عنه هذه الأيام عن طريق المنظمات غير الربحية والمنظمات غير الحكومية التي تتخذ أشكالا وأسماء متعددة. تباعا هناك منظمات الإغاثة التي ترعاها الحكومات الغنية بأشكال ثنائية ومتعددة الأطراف.
المنظمات غير الربحية ومنظمات الإغاثة تحاول تخفيف المشاكل ووضعها داخل إطار من السيطرة. لكن النزعة لعمل الخير هي شكل من أشكال الاقتصاد التدفقي ؛
فإذا توقف تدفق الأموال, توقفت بالتبعية مساعدة المحتاجين. وفي الناحية الأخرى، المنظمات المتعددة الأطراف مثل البنك الدولي ينصب تركيزها فقط على النمو كوسيلة لمساعدة الفقراء، ولكنها لا تتفهم إمكانية أن يكون الفقراء فاعلين بأنفسهم. إن هناك تساؤلات جدية عن هذا النوع من النمو الذي يمكن أن يساعد الفقراء. وكرد فعل للدعوات العالمية لكبح المشاكل الاجتماعية، تُعرف بعض الشركات نفسها كأعضاء بحركة المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR)
وهي تحاول فعل الخير للشعب من خلال أعمالهم. ولكن الهدف الأساسي لمثل هذه الشركات لا يزال الربح، بمعنى، على الرغم من أنهم يحبون دوماً الحديث عن ثلاث خطوط أساسية : المالية والاجتماعية والبيئية، ولكن تغلب المنفعة الربحية المادية في نهاية المطاف.
اعتقدت دوما أن الفقر يمكن أن يُقهر تماما من حياتنا إذا اُعتمد النهج الصحيح. واستندت في هذا الاعتقاد على القدرة الكامنة لدى الفقراء والتي تظهر حين تعطى لهم الفرصة لمساعدة أنفسهم بأنفسهم. هذا ما أثبته بالفعل من خلال خبرتي مع بنك جرامين لثلاثة عقود،فمبدأ القروض المتناهية الصغر لم يكن موجودا قبل أن أقوم بإنشاء بنك جرامين في بنجلاديش الذي يعتمد أساسا على أن الائتمان من دون ضمانات هو حق أساسي من حقوق الفقراء. نجاحنا بهذا في بلدي تكرر على نطاق واسع في بلاد عدة على مستوى العالم بما فيها بعض من أغنى الدول، وجائزة نوبل للسلام لعام 2006 لبنك جرامين ولنفسي هي أحد صور العرفان لهذا النجاح.
ذكرت قصة بنك جرامين في كتابي السابق ”مصرفيّ الفقراء”: في هذا الكتاب الجديد أصف تطور نظام جرامين. لكن الأهم من ذلك فقد عمدت إلى تقديم و توسيع مفهوم الشركة الاجتماعية، هذا المفهوم الذي قادتني تجربة جرامين إليه.
سمح بنك جرامين للفقراء أن يكونوا طرفا فاعلا في السوق الحرة وأن يتمتعوا ببعض ثمارها في محاولة للخروج من الفقر. فهو في الأصل نموذج لشركة بشكل صرف وبسيط ، ولكنها شركة اجتماعية. يمكن أن يكون هناك شركات اجتماعية أخري، فهي تماما مثل أي من الشركات الأخرى، ولكنها تسعي لأهداف اجتماعية وليس لتحقيق مكاسب شخصية أو أرباح. لقد حاولت من خلال هذا الكتاب أن أظهر سبب إمكانية نجاح الشركات الاجتماعية في التصدي للمشكلات الاجتماعية في الوقت الذي فشلت فيه الوسائل الأخرى المذكورة أعلاه.
يجب أن لا يتم الخلط بين الشركة الاجتماعية والمؤسسة الاجتماعية حيث يستخدم المصطلح الأخير بشكل أكثر شمولية ويتضمن المنظمات الغير الحكومية، والمبادرات الشخصية، والجمعيات الخيرية وغيرها وقد يشمل االشركة الاجتماعية أيضا.
الشركات الاجتماعية تمنح بعدا ثوريا تماما لاقتصاد السوق الحرة. فهي لا تتداخل مع آلية الربح العادي (PMB) المتمثلة في– رأس المال، و إدارة الأعمال التجارية باحتراف، القدرة على المنافسة …إلخ — ولكن المستثمرين هنا لا يحصلون على أي أرباح، رغم أنه يمكن استرداد استثماراتهم متى يريدون من أجل إعادة الاستثمار في اشركة اجتماعية أو ربحية أخري.
ويكون الحافز الوحيد لمواصلة هذا الاستثمارهو الوصول لنتائج مقنعة في سبيل تحقيق الأهداف الاجتماعية وبهذه الطريقة بتم تقييم الشركة.
بشكل أساسي الشركة لا تهدف للربح أو الخسارة، ولكنها تهدف إلى تحقيق أهداف اجتماعية مرتبطة بالتعليم والصحة والبيئة حسبما تتطلب حاجات المجتمع. الأرباح في هذه الشركات تبقى معها بغرض مواصلة النمو. من سمات هذه الشركات أن قاعدتها الأساسية مبنية على أساس أن رجال الأعمال لا تحفزهم فقط الأرباح الفردية المادية بل يكون تحقيق الأهداف الاجتماعية لاعبا على قدر المساواة في التحفيز والإقناع للمشاركين.
الشيء المهم هو عدم الخلط بين الشركة الاجتماعية وآلية الربح العادي PMB. في الحقيقة إن إدراج الشركات الاجتماعية جنبا إلى جنب مع الشركات العاملة بآلية الربح العادي PMB سيجعل الأسواق الحرة أكثر نبلا وأكبر اتساعا وأكثر تحقيقا لمتطلبات الشعوب. فمزاياها تفوق الأعمال الخيرية بأشكال عدة، من أهمها الكفاءة والاستمرارية مع تدوير الربحية والمنافسة مع الشركات العاملة بآلية الربح العادي PMB المتبعة لنفس القواعدة والاستخدام الأمثل للابتكارات التجارية.
يمكن أن يكون هناك نوعان من الشركات الاجتماعية.
النوع الأول يركز على الشركات العاملة لأهداف اجتماعية فقط، كما ذكرنا للتو. أما النوع الثاني فيمكنه ضم أي أعمال ربحية طالما يمتلكها الفقراء والمحرومين، الذين يتربحون من خلالها مباشرةً أو عن طريق بعض الفوائد الغير المباشرة. وهناك العديد من الطرق لكيفية نقل الملكية للفقراء، ويمكن خلط هذين النوعين معا في نفس الشركة الاجتماعية كما حدث في حالة بنك جرامين. وكما في خليط مماثل بين النوعين يمكن لشركة اجتماعية يملكها الفقراء أن تشق طريقا ريفيا أو تنشئ جسرا. من ناحية أخرى تحمست لمشروع ميناء أعماق البحار العملاق الذي من المخطط له أن يستخدم من قبل عديد دول في المنطقة بأكملها ومن المحتمل أن يغير الواجهة الاقتصادية لبنغلاديش بطريقة ضخمة، فمشروع كهذا يمكن أن يتحول لشركة اجتماعية مملوكة للنساء الفقيرات في هذا البلد.
هل هذه هي المدينة الفاضلة؟ وهل ستكون هناك شركات اجتماعية خارج نطاق القروض المتناهية الصغر؟
ترى من هم الذين سيستثمرون في هذا النوع من الشركات الاجتماعية؟
أستطع الإجابة على هذه الأسئلة بثقة في كتابي الجديد، ليس فقط لأن عندي إيمان بفكرتي، وبقدرة رجال الأعمال أن يكون لهم دوافع اجتماعية فضلا عن دوافع السعي للربحية، ولكن أيضا لأنني أرى هذا يحدث على أرض الواقع في اللحظة والتو. لقد كرست جزءا كبيرا من الكتاب عن تفاصيل الشركة الاجتماعية الأولي التي تم البدء بها وهى شركة- جرامين دانون التي دخلت حيز التنفيذ في بدايات عام 2007. ففكرة هذه الشركة بدأت على طاولة غداء اعتيادي بيني وبين فرانك ريبود Franck Riboud،
رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة دانون، وهي شركة فرنسية كبيرة و رائدة على مستوى العالم في منتجات الألبان. استغرق الأمر مجرد هذا الوقت البسيط لإقناعه بأن الاستثمار في الشركة الاجتماعية هو أمر مفيد لمساهمي شركة دانون. وعلى الرغم من أنها لن تعطي أي أرباح شخصية لهم، وافق فرانك على الاقتراح دون أن انهي شرح الأمر له بصورة كاملة. لقد استغرق الأمر وقتا أطول بعض الشيء لصياغة الشكليات و الاتفاق على المنتج (زبادي مُقوَى و مُحَلى – للأطفال الفقراء الذين يعانون من سوء التغذية في بنغلاديش – زهيد التكلفة بحيث يقدرون على شرائه ) بالإضافة إلى التمويل والضرائب والقضايا التنظيمية ومعايير التقييم وغيرها مثل من التفاصيل المشابهة. ولقد كرست العديد من صفحات الكتاب على هذه التفاصيل لإظهار كيفية التعامل مع هذه الأمور.الزبادي ‘Shokti Doi ‘ (زبادي الطاقة) هو بالفعل متاح فيالأسواق.
أيضا, استثمرت منظومة جرامين في شركة اجتماعية أخري – وهذه المرة مستشفى للعيون حيث يتمكن الفقراء من علاج أعينهم وإجراء عمليات المياه البيضاء بتكلفة منخفضة للغاية، بل وسيحظى كل جيرانهم من سكان القرى الصغيرة والمدن المحيطة بخدمات هذه المنشأة الطبية الممتازة التي لم يكن لها مثيل من قبل.
الشركة الاجتماعية عبارة عن مفهوم جديد وممارستها لازالت في البداية. وكما يوضح كتابي، فلابد من عمل المزيد من الاكتشافات في أثناء بناء خبرات عملية. فهناك العديد من التحديات التي يجب أن نواجهها ونطور حلولا لها. على سبيل المثال، كان علينا أن نخترع نظام مبتكرا للتسويق بحيث يظل “Shokti Doi”` المنخفض التكلفة محجوزا للأطفال الفقراء و في نفس الوقت لا يختفي من أسواق المدن. كذلك تطرقت إلى قضايا أخرى مثل كيفية نقل ملكية النوع الثاني من الشركات الاجتماعية إلى الفقراء، أو كيف يمكن استغلال الفرص العظيمة التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات في خدمة الشركات الاجتماعية.
هناك شيء واضح جدا بالنسبة لي, وهو أنه مع بزوغ الشركات الاجتماعية، لن يعود عالم السوق الحر الرأسمالي كما كان من قبل مرة أخري، وأنه سيضرب الفقر في مقتل لاجتثاثه من العالم. وأنا على ثقة من أن العديد من الشركات التجارية وموظفيها المبدعين سيعملون على تجنيد إمكانياتهم في مواجهة هذا التحدي الجديد – تحدى خلق عالم خال من الفقر في غضون وقت قصير.
في هذه اللحظة نشاهد مجرد خط الأفق, في القريب العاجل سيكرس جزء لا بأس به من إبداع وابتكار وعبقرية الأعمال على مستوي العالم من أجل هذا الهدف لتحقيق المنفعة الاجتماعية العامة.
سيكون هناك سوق أسهم جديد كليا وبمؤشرات جديدة تزدهر في عواصم العالم المالية بدافع هذا الحافز الجديد. وسوف تعجل عملية القضاء على الفقر بوتيرة لا يمكن تصورها مستخدمة في ذلك نفس آليات السوق التي عجلت الرخاء العالمي للأغنياء في المقام الأول.
مرحبا بكم في عالم جديد من الشركات الأجتماعية.
محمد يونس

الخميس، 14 يونيو 2012

الصناديق السيادية المصدر الأهم للتمويل الفترة القادمة

14/6/2012


فى تقرير للفاينانشال تايمز أكدت أنه  بعد أن فقد المستثمرون شهيتهم للاكتتابات العامة، وعزوف البنوك عن الإقراض، وحدها صناديق الثروات السيادية التي لا تكاد تعاني من أي أزمة على الإطلاق.
إذ اشترت هيئة قطر الاستثمارية أخيراً حصصاً كبيرة في شركات رفيعة المستوى، مثل «شل» و«تيفاني»، وعينها مسلطة على حصة نسبتها %10 في شركة التعدين «اكستراتا». في حين أطلقت مؤسسة الصين للاستثمار أخيراً صندوقاً للاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا قوامه 500 مليون يورو، وتبحث عن فرص استثمارية في الأسواق الناشئة في أوروبا وأفريقيا. إذاً ما هو السبب وراء نشاط وفعالية صناديق الثروات السيادية في الأسواق الناشئة في ظل ظروف مالية عالمية محبطة؟
ديناميكية الHداء
السبب هو أن صناديق الثروات السيادية تتميز بوجود ديناميكية تختلف كثيراً عن باقي الأسواق المالية. ويوجد نوعان من البلدان حاضران بشكل خاص في صناعة الصناديق السيادية التي يبلغ اجمالي حجمها 5 تريليونات دولار. الأول، الذي يتميز بوجود ايرادات هائلة من الموارد الطبيعية (مثل السعودية وقطر وروسيا). أما الثاني فهي الذي شهد نموا سريعا في السنوات الأخيرة (مثل الصين).
وقد تعززت هذه الصناديق السيادية من قبل اقتصاداتها الوطنية بدلاً من أن يتم اضعافها. ونتيجة لذلك، فان ما نسبته %75 من أموال صناعة الصناديق السيادية أو قرابة 3.7 تريليونات دولار تأتي من الأسواق الناشئة.
يقول أحمد يوسف، الشريك في «بوز آند كومباني» في الشرق الأوسط «قوتها الكامنة تقود استراتيجية شراء متصاعدة».
ويضيف «في الوقت الذي لا تمتلك فيه المؤسسات المالية الأخرى الموارد المالية التي يمكن استخدامها، في حين تملك الصناديق السيادية الكثير منها، فإن هذا هو الوقت المناسب لتصيد الصفقات والفرص. وهو ما يمكنها من شراء أصول ذات قيمة جيدة من دون وجود منافسين كثر».
ويضاف الى ذلك الخطوات الكبيرة التي أنجزت على صعيد الشفافية والمهنية التي خطتها العديد من صناديق الأسواق الناشئة.
ولم يغب ذلك عن ذهن الشركات التي تبحث عن مستثمرين. اذ تقول شركة بي ان واي ميلون، على سبيل المثال، إن المزيد من زبائنها يعقدون اجتماعات مع الصناديق السيادية، لا سيما صناديق الأسواق الناشئة. وتعتبر «بي ان واي ميلون» أكبر مزود في الولايات المتحدة لخدمات استلام الودائع الى الشركات العالمية المدرجة في البورصات الجنبية.
ويقول غاي غريشام، رئيس استشارات المستثمرين في أنشطة استلام الودائع في البنك، إن موجة من الصفقات الأخيرة أثارت اهتمام زبائنه.
الاسواق الناشئة
ويضيف «صناديق الثروات السيادية في الأسواق الناشئة أقدمت على الاستثمار في الشركات التي أثارت اهتماماً عالمياً من الشركات الأخرى. ويتساءلون: هل يمكن أن تكون تلك جهات استثمارية يمكن أن نستهدفها أيضاً؟».
لكن ليس جميع الصناديق السيادية في الأسواق الناشئة راغبة في الاستثمار. فمؤسسة النقد العربي السعودي، التي تحتكم على أصول تحت الادارة تزيد على 500 مليار دولار، على سبيل المثال، تستثمر عادة في الأصول ذات المخاطر المنخفضة. ومنذ الربيع العربي حولت تركيزها الى الداخل للمساعدة في الايفاء بتمويل الاحتياجات المحلية واحتواء مخاطر حدوث عدوى سياسية. ورغم حجمها الكبير، الا أنه من غير المتوقع أن تقدم الكثير للشركات الغربية.
لكن الصناديق الأخرى لديها مشاغل محلية أقل وطأة وتستثمر أموالها في الخارج. وكون الصناديق السيادية للأسواق الناشئة غالباً ما تكون جديدة نسبياً على اللعبة، فانه يؤمل أن تكون شهيتها مرتفعة على الاستثمارات غير التقليدية.
وقد ثبتت صحة هذه المقولة بالنسبة لصندوق واحد على الأقل وهو مؤسسة الصين للاستثمار، التي يبلغ حجم الأصول تحت الادارة فيها عند 410 مليارات دولار. فقبل أسابيع قليلة فقط قالت مؤسسة الصين للاستثمار إنها تعتزم استثمار ما يصل الى 500 مليون يورو في الشركات الأوروبية الصغيرة المهتمة بالتوسع في الصين. وسوف تضخ المؤسسة أموالاً في تلك الشركات تتراوح ما بين 30 مليون يورو و50 مليون يورو، وهي حالة غير اعتيادية في عالم الصناديق السيادية. إذ عادة ما تكون الاستثمارات بقيمة 100 مليون دولار وما فوق، كما أنه من النادر اتباع نهج الاستثمارات المباشرة في الشركات.
تمويل الشركات
ومع ذلك، فان صناديق الثروات السيادية للأسواق الناشئة ليست بالحل النهائي لتمويل جميع الشركات.
ففي غالب الأحيان، تبحث الصناديق السيادية للأسواق الناشئة حصرياً عن الشركات المستعدة للاستثمار في الأسواق المحلية لتلك الصناديق، لاسيما في الشركات المحلية.
يقول يوسف من «بوز آند كومباني»: «الصناديق السيادية لديها تفويض مزدوج من الحكومات. الأول هو إدارة ثروات البلاد والثاني هو انشاء مشاريع وشركات محلية كبيرة»، فضلاً عن أن الأداء السيئ المذهل لبعض الاستثمارات الكبيرة، مثل استثمار جهاز أبوظبي للاستثمار والبالغ 7.5 مليارات دولار في «سيتي غروب»، والذي خسر %90 من قيمته، جعل العديد من الصناديق السيادية تفكر أكثر من مرة قبل الاقدام على مثل تلك الرهانات الكبيرة.
ومع ذلك، فإنه في عالم يفتقر الى الائتمان، فان صناديق الثروات السيادية للأسواق الناشئة تبقى ضمن قلة قادرة ومستعدة للاقدام على ضخ استثمارت كبيرة في الشركات الكبيرة. وهو تطور ساخر للأقدار أن تنعكس الأدوار بين البلدان الناشئة والمتقدمة على هذا النحو. لكن ذلك لن يزعج الصناديق السيادية ولا الشركات التي تصطف لجذب التمويل منها.

الخميس، 7 يونيو 2012

المسكوت عنه فى فساد أسواق المال

7/6/2012

المسكوت عنه فى فساد أسواق المال


كشفت ثورة يناير عن الجوانب الخفية لرموز النظام السابق وعائلاتهم بالتلاعب فى البورصة، وكيفية إخفاء أموالهم بطرق مبتكرة، فجرت نواتها الأولى قرارات النائب العام بتجميد أكواد الرئيس السابق وأسرته والعديد من رموز نظام مبارك ورجال الأعمال المتهمين فى قضايا الفساد فى البورصة.
ويرى محسن عادل خبير أسواق المال والاستثمار إن العديد من رجال الأعمال قاموا بتأسيس ما يعرف بالشركات "العنقودية" بهدف الاستحواذ على مؤسسات بعينها دون أن يعرف أحد عنهم أى شئ.
ويضيف أن فكرة الشركات العنقودية هى قيام مجموعة من المستثمرين أو السياسيين بتأسيس شركة على سبيل المثال فى أمريكا، ثم تقوم هذه الشركة بتأسيس فرع لها فى أثينا على سبيل المثال، لتقوم الأخيرة بشراء حصص فى الشركات المصرية أو عن طريق البورصة وبالتالى تتخفى الأموال حول هذه الشركات ويتم التلاعب من جانب هؤلاء دون أن يعرف أحد من يحرك السوق والأقتصاد عن بعد. وتحدث عن صناديق "الأوفشور" وهى صناديق يتم تأسيس الصندوق منها بنحو 120 ألف دولار فى بعض الدول مثل قبرص أو مالطة، وهى دول تفتقر إلى رقابة صارمة، ويتم تحت إشراف صناديق أو مستثمرين محليين وبأسماء أجنبية، ويتم تكويدها بالهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة تحت فئة مستثمرين أجانب حتى يضمن المتلاعبون الهروب من المحاسبة، وعدم التفتيش باعتبار أنه إستثمار أجنبى يجب الحفاظ عليه، حتى لا يتم "تطفيشه"، ومن ثم يتحقق التلاعب بعيداً عن الرقابة، ثم النتيجة مكاسب بالمليارات على حساب الاقتصاد المصرى. وينوه إلى أن كبار المستثمرين وأعضاء مجالس إدارات الشركات يلجأون إليها عندما يرغبون فى شراء أسهم شركاتهم، حتى لا يدخلوا فى دائرة تطبيق القوانين الخاصة بتعاملات مجالس إدارة الشركات.
وينوه بأن عدد هذه الصناديق فى مصر يصل لنحو 6000 صندوق وبالتالى فلنا أن نتخيل حجم الفساد الذى قد يتستر خلفها من جانب المضاربين على حساب المتعاملين فى البورصة.
ويتساءل الدكتور عوض الترساوى أستاذ القانون بجامعة القاهرة لماذ يتم التستر على الجرائم التى حدثت فى البورصة لمدة سنوات عديدة، مشيراً إلى أن القضية الأخيرة الخاصة بالبنك الوطنى، تمت صفقتها فى عام 2006 ثم ما لبست أن ظهرت رائحتها فى عام 2012. ويضيف إن الخيارات المتاحة أمام المحكمة فى هذه القضية "البراءة أو الانقضاء بالتقادم أو الانقضاء بالتصالح، وهى أسوأ الخيارات التى قد يتم اللجوء إليها".
ولفت إلى أن الوقائع كلها تدور فى فلك قانون سوق المال رقم 95 لسنة 92، والمتعلق بالاستحواذ والإفصاح والشفافية، حيث ينظم قانون سوق المال عمليات الأستحواذ فى الباب 12 والذى صدر فى عام 2007، بينما تمت هذه الوقائع فى عام 2006، ما يعنى أنها سابقة على القانون بعام تقريباً، ولا يسرى هذا القانون على الوقائع محل التهم.
ويقول الدكتور محمد عمران رئيس مجلس إدارة البورصة المصرية إن البورصة تقوم برقابة صارمة على التعاملات من خلال إدارة الرقابة على التداول، حيث تقوم بعمليات رقابة فورية على مدار اليوم، فضلا عن عمليات الرقابة اللاحقة، على فترات زمنية، تقوم البورصة خلالها برقابة التداولات وتحليلها على فترات زمنية طويلة، أى أنها رقابة تاريخية، ويضيف ان ادارة البورصة تقوم بالإفصاح عن كافة الاحداث الجوهرية الخاصة بالشركات بهدف اتاحة البيانات امام جميع المتعاملين فى وقت واحد.
- أكثر 10 طرق شيوعاً للتلاعب
يقول إيهاب سعيد خبير أسواق المال والاستثمار إن طرق التلاعب موجود بكافة الأسواق العالميه سواء المتقدمة أو الناشئة، وخير دليل على ذلك فضيحة شركة البترول الأمريكية "إنرون" الشهيره والتى عوقب متهميها بعقوبات وصل بعضها للسجن مدى الحياه، بعد قيام إدارة الشركه بالإفصاح عن نتائج أعمال مزورة.
ويوضح أن أهم سلبيات البورصات الناشئة بما فيها البورصة المصرية ضعف عمليات الإفصاح والشفافيه، الأمر الذى يستغلة البعض من ذوى النفوذ للتعامل طبقا لمعلومات معينة ليست معلنة للكافة بغرض تحقيق أرباح كبيرة على حساب صغار المستثمرين والذين دائما ما يقعون فريسة لتلك النوعيه من التلاعبات.
وينوه إلى أن التلاعب فى الأسواق بهذه الطريقه موجود أيضا بالأسواق المتقدمة، لكنه ليس بالقدر الموجود بالأسواق الناشئة نظرا للعقوبات الشديدة التى توقعها الهيئات الرقابية فى تلك الدول والتى تصل بعضها للسجن مدى الحياة إذا ما ثبت تحقيق أرباح بناء على معلومات داخلية غير معلنه للكافة.
ويشير إلى أن أهم طرق التلاعب فى الأسوق يمكن حصرها فى 10 طرق هى.
1 - استغلال المعلومات الداخلية من جانب أعضاء مجالس إدرارت الشركات وذويهم.
2 - العروض والطلبات الوهمية على مدار اليوم والمعروفة باسم عمليات "التدوير" بغرض تجميع الأسهم.
3 - الشائعات التى تهدف لإيهام المستثمر بصعود أو هبوط الأسهم
4 - تسريب معلومات من جانب فئات على علاقة بإدارات الشركات حول تقسيم الأسهم.
5 - نشر بيانات مغلوطة عن نتائج أعمال الشركات، من شأنها خلق طلبات غير حقيقية على الأسهم
6 - الافصاحات غير الواضحة من بعض الشركات والخاصة بعمليات الاستحواذات.
7 - الإعلان عن شراء أسهم خزينة وعدم تنفيذها.
8 - الإعلان عن توزيعات مجانية للأسهم وزيادات رأس المال لقدامى المساهمين للإكتتاب والتباطؤ فيها.
9 - الإعلان عن توسعات وضخ استثمارات جديدة بهدف خلق طلب على الأسهم وعدم تنفيذها لاحقاً.
10 - بيع كميات كبيرة من الأسهم ذات الوزن النسبى الثقيل على مؤشر السوق الرئيسى لدفعه للتراجع بشكل حاد وإيهام المتعاملين بانهيار السوق لإجبارهم على البيع ثم شرائها عند مستويات متدنية.
ويوضح أنه على الرغم من أن فكرة التلاعب فى أسواق المال ليست مقصورة فقط على السوق المصرى أو حتى الأسواق الناشئه أو المتقدمة، إلا أن ما يعيب السوق المصرية هو عدم تغليظ العقوبات المطبقه على من تثبت عليه تهمة التلاعب، فتلك العقوبات تحتاج للتغليظ بشكل كبير لتصبح رادعة، أما الاكتفاء بالغرامة ببضعة آلاف من الجنيهات لا يمكن باى حال من الأحوال أن تكون رادعة، خاصة وأن بعض التلاعبات قد تحقق أرباحا بعشرات الملايين. ويضيف أنه لا يمكن بأى حال من الأحوال غض الطرف عن تطور الطرق الرقابيه فى السوق المصرى بشكل كبير خلال السنوات الماضية مما أدى إلى اكتشاف العديد من عمليات التلاعب التى تمت، لكن ما ينقصنا فقط هو إعادة صياغة للقوانين حتى تكتمل المنظومة الرقابية. 

الاثنين، 4 يونيو 2012

أمريكا تتوجّس من فقدان اقتصادها المرتبة الأولى في العالم


4 يونيو 2012
رويترز


في الوقت الذي ترفرف فيه الأعلام الأمريكية بفخر، في المشاهد الوطنية، يدور جدل حامٍ حول السؤال الكبير: هل أصبحت حقبة ازدهار الولايات المتحدة من الماضي؟

لقد شهدت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، أسوأ معدلات للبطالة خلال ثلاثة عقود، وبلغ التفاوت في المداخيل مستويات لا سابق لها، ما جعل من مسالة اضمحلال الامبراطورية الأمريكية تحتل صلب جدال وطني في هذه السنة الانتخابية.

ويتهم المرشح الجمهوري إلى البيت الأبيض، ميت رومني، بلا كلل الرئيس باراك أوباما بإدارة حقبة زوال عظمة الولايات المتحدة بدلاً من تحفيز سموها.

ولإجراء دراسة عملية حول نظرية الانهيار يكفي الصعود إلى الطائرة من أحد المطارات الأمريكية القديمة إلى أحد المدارج الجوية الحديثة في آسيا.

وعلى الرغم من ذلك، ما زال الطلاب من العالم يتدفقون على الجامعات الأمريكية، وقلة من المراقبين الموضوعيين، تتجرأ على تأكيد أن الإبداع تعطل في البلاد التي اخترعت الطائرة والإنترنت، وغيرها من الإنجازات، إلى جانب التفوق الساحق قياساً إلى أي بلد آخر في العالم في مجال الإنفاق العسكري.

والتحدث عن أفول نجم الولايات المتحدة ليس بجديد، إذ بدأ في نظر البعض خلال حرب فيتنام، وبالنسبة لآخرين أثناء الصعود السريع لليابان. 

وفي الأيام الأولى من حكم أوباما أقر بعض مستشاريه مع حرصهم على تفادي التحدث عن حقبة الزوال، أنهم بصدد دراسة العبر من التغيرات الكبيرة السابقة في موازين القوى في العالم، مثل صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية في وجه بريطانيا قبل قرن، بهدف تجنب الدخول في نزاع مع الصين.

ومنذ ذلك الحين تغيرت النبرة، ففي يناير الماضي، أكد أوباما أن سياسته الدولية أعادت في العالم «الانطباع بأن أمريكا هي القوة الوحيدة المحتومة».

وفي الآونة الأخيرة، دافعت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، بحماسة في خطاب عن الدور الناشط الذي تقوم به الولايات المتحدة في العالم، مشددة على أن العام 2012 «ليس 1912 عندما مهدت الخلافات، بين بريطانيا في طريق الانهيار وألمانيا في أوج انطلاقتها، الطريق لأول حرب عالمية».

وعلى مر التاريخ، تحدت القوى الجديدة القوى القديمة في ميادين القتال، وقاعات المفاوضات، أو عبر تقنيات متقدمة.

وفي موسكاتين، المدينة الصغيرة الوادعة في ولاية آيوا على ضفاف نهر المسيسيبي، حيث عاش الكاتب والباحث الشهير مارك توين، سُجّل حدث تاريخي.

فقد شدد نائب الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارة إلى موسكاتين في فبراير الماضي، على علاقته بهذه المدينة التي سافر إليها للدراسة قبل سبعة وعشرين عاماً، وكان موقف المسؤول الصيني خلال زيارة رسمية قام بها إلى الولايات المتحدة ودياً، لكن الزيارة قد تبقى في السجلات حدثاً تاريخياً، لأن (شي) سيصبح على الأرجح العام المقبل، القائد الأعلى للصين، وخلال ولايته قد تتفوق الصين على الولايات المتحدة، وتصبح أول اقتصاد في العالم.

هذا، وقد أصبحت مسألة الانهيار موضوعاً مفضلاً لدى المفكرين، ففي دراسة أخيرة لاقت نجاحاً، يؤكد أحد الخبراء الأمريكيين البارزين في الشؤون الصينية، وانغ جيسي، أن القادة الصينيين مقتنعون بأن عصرنا يسجل بداية النهاية للقوة الأمريكية العظمى.

وهم يرون في معظم تحركات الولايات المتحدة، بما في ذلك تلك التي لا تعود إلى الأمس، مثل مبيعات الأسلحة إلى تايوان، أو الدعوات إلى احترام حقوق الإنسان، أعراض ضعف لبلد يحاول كبح صعود الصين.

وهذا ما يعيدنا إلى آيوا، فعلى الرغم من الخطابات المقلقة بشأن صعود الصين، وتدهور الولايات المتحدة يعبّر سكان موسكاتين عن وجهات نظر أكثر اعتدالاً من سياسيين عدة، فكثيرون من سكان هذه المدينة التي تعد 23 ألف نسمة يقولون إنهم زاروا الصين، سواء أكان للعمل فيها أم في إطار الدراسة، كذلك فإن مدرسة المدينة تعطي دروساً للغة الماندرين الصينية.

وعندما يسأل الناس بخصوص الصين، يقول عدد منهم «إنهم قلقون من أوضاع حقوق الإنسان في هذا البلد الشيوعي، لكن النسبة نفسها تعتبر الانطلاقة الاقتصادية للصين أمراً إيجابياً».

ولا يبدي أحد أي تخوف من فكرة أن الصين ستتقدم يوماً على الولايات المتحدة.

وموسكاتين ليست حالة معزولة، فقد أجريت استطلاعات للرأي على الصعيد الوطني، تظهر أن غالبية الأمريكيين تتوقع أن تنتزع الصين من الولايات المتحدة لقب القوة العالمية الأولى، وأن لدى معظم الأمريكيين رأياً إيجابياً في الصين.

فمع تعداد سكاني يفوق أربع مرات تعداد الولايات المتحدة، ومع تسجيل نمو قوي وثابت، تتجه الصين لا محالة نحو مرتبة القوة الاقتصادية الأولى في العالم.

لكن ذلك لا يمنع معظم الصينيين من الدفاع عن ولايات متحدة، أقله لتبقى من كبار الزبائن لمنتجاتها.

في هذه الأثناء، وفي الجانب الآخر من المحيط الهادئ يرتكب أي زعيم يشكك صراحة بدور الولايات المتحدة كسيّد العالم، ما يعتبر بمثابة انتحار سياسي.

إلا أن الجدل حول نظرية الانهيار لا يبدو قريباً من التراجع، لكن إن خسرت الولايات المتحدة فعلاً عرشها لزعامة العالم فسيكون ذلك أقرب إلى الهبوط الهادئ.